انتهت المرحلة الأولى من الانتخابات التمهيدية لليسار الفرنسي (التي ينظمها الحزب الاشتراكي بمشاركة بعض الأطراف اليسارية في فرنسا، من دون إيمانويل ماكرون ولا جان لوك ميلانشون)، إلى مواجهة تُجرى يوم الأحد المقبل بين رجلين يمثّلان خطين متعارضين في «الحزب الاشتراكي»، بنوا هامون (49 عاماً) ومانويل فالس (54 عاماً)، وذلك قبل نحو مئة يوم على الاستحقاق الرئاسي، في وقت لا يزال فيه اليمين واليمين المتطرف يهيمنان على الساحة. ورغم تأهله، سيجد فالس نفسه، خلال هذا الأسبوع، أمام حملة صعبة جداً لإقناع الناخبين بالتصويت له، خصوصاً أنه حاز نسبة 31 في المئة من الأصوات في مقابل 36.3 في المئة لهامون الذي حظي بدعم زميله أرنو مونتبورغ في الدورة الثانية، إضافة إلى دعم الشخصية المهمة داخل «الاشتراكي»، مارتين أوبري.

ويبدو أنّ الأمل كبير عند معسكر هامون كي ينجح في التأهل إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى على مرحلتين بين شهري نيسان وأيار المقبلين، فيما تعهد فالس الذي يمثل خط رئيس الجمهورية فرنسوا هولاند بالمكافحة حتى النهاية.

ويُنظر إلى تقدم هامون على أنه تفوّق لخط «المعارضين» في مواجهة خط «هولاند ــ فالس»، وفق «لوموند»، التي رأت أيضاً أن الثنائي هامون ــ فالس يمثل الانقسام القائم بين خطين في «الحزب الاشتراكي»، الأول «مثالي طوباوي» يمثله هامون، بينما الثاني «واقعي» يمثله فالس.
هذا الانقسام الذي تطوّر تدريجياً طوال السنوات الخمس لعهد فرنسوا هولاند، يعزز وجود جناحين «يساريين لا يلتقيان»، كما وصّف مانويل فالس الوضع سابقاً. وبينما يظهر هذا الانقسام في البرامج الانتخابية لكلا المرشحين وفي تصريحاتهما، وصفت صحيفة «ليبراسيون» الانقسام بالقول إن فالس يريد «فقط هزيمة اليمين»، فيما «يريد هامون إعادة بناء اليسار»، مضيفةً أن هامون يسير في اتجاه مغاير لمسار «الحزب الاشتراكي» خلال عهد هولاند، وهو الاتجاه نفسه الذي يقوده فالس حالياً.
وأصرّ فالس، أول من أمس، على أنه لا يريد «يساراً منغلقاً في الوهم واللاوقعية»، معتبراً أنه يدافع عن يسار «موثوق». وبانتظار المناظرة التلفزيونية مساء الأربعاء، انتقد فالس «وعود (خصمه) التي لا يمكن تحقيقها وتمويلها»، قائلاً إن «اليسار الفرنسي لم يكن يوماً أمام مثل هذا الخيار الواضح».
لكن الاختراق الذي أحدثه بنوا هامون لا يسهّل مهمة فالس، خصوصاً أنّ الأول كان يعتبر مرشحاً هامشياً في السابق. وكان رئيس تحرير صحيفة «ليبراسيون»، لوران جوفرين، قد لخّص الأمر بقوله: «ها نحن نشهد بفضل برنامج مبتكر ومؤمن بالعولمة البديلة، المرشح الهامشي الذي لا يملك تجربة، يحلّق عالياً. وما كان صغيراً بات آلة كبيرة».


خلقت أزمة الاشتراكي
شروطاً قد تمنع توحيد
العائلة السياسية

وهامون الذي انسحب من فريق فرنسوا هولاند عام 2014، بسبب خلاف على التوجهات الاقتصادية للرئيس، التي اعتبرها ليبرالية أكثر من اللازم، يعد الآن بقانون يعزز حقوق المستهلكين، ويدافع عن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وشبهت مجلة «بوليتيكو» الاتجاه الذي يسير وفقه هامون بأنه «يسار على طريقة جيرمي كوربن (رئيس حزب العمال البريطاني)». ويعد هامون أيضاً «بالدخل الأدنى للجميع» الذي يزداد تدريجياً ليصل إلى 750 يورو للفرد، إضافة إلى اقتراحه تمكين جميع المواطنين من تقديم مشروع قانون أو تعطيله، ودعمه لفكرة العملية الانتقالية البيئية.
ورفض بنوا هامون، أمس، اتهامه بـ«الطوباوية»، قائلاً إنّ «الرغبة في طيّ الصفحة واضحة، وعلينا أن نتطلع الى المستقبل»، مؤكداً أن برنامجه «لا علاقة له بالطوباوية». ويختلف الرجلان أيضاً في نظرتيهما إلى الجمهورية الخامسة، إذ يفضّل فالس الوجه السلطوي، فيما يريد هامون فتح عهد جديد، أكثر تشاركية وبرلمانية. وهذا التباعد يعكس بدقة «الأزمة العميقة للحزب الاشتراكي» التي خلقت شروطاً «أصبح من خلالها توحيد العائلة السياسية الاشتراكية شبه مستحيل»، وفق «ليبراسيون».
وقد تجعل الأزمة التي يعاني منها «الحزب الاشتراكي» من أي من المرشحين، فالس أو هامون، الأقل حظاً للفوز في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي تنتهي في 7 أيار المقبل، إذ يبدو أن المنافسة في الدورة الثانية ستكون بين مرشح «الجمهوريين»، فرنسوا فيون، وزعيمة «الجبهة الوطنية»، مارين لوبن، التي رأت، أول من أمس، أن 2017 سيكون «العام الذي تستيقظ فيه شعوب أوروبا».
وتتقلص فرص الاشتراكيين في ظل الانقسام الذي يعاني منه اليسار بصفة عامة، خاصة أنّ الوزير السابق في حكومة فالس، إيمانويل ماكرون، الذي يقول إنه «لا ينتمي لا إلى اليمين ولا اليسار»، يسجّل تقدماً في استطلاعات الرأي، فيما يصل مرشح اليسار «الراديكالي»، جان لوك ميلانشون، في المرتبة الرابعة في استطلاعات الرأي. ولخّصت صحيفة «ليبراسيون» المشهد بالقول إنّ الصورة الحالية تشير إلى «حزب اشتراكي مقسوم بين قسمين، ويسار مقسوم بين أربعة أقسام».
وجدير بالذكر أنّ المشاركة في الانتخابات التمهيدية، أول من أمس، تقلصت إلى حوالى 1.6 مليون مقترع، مقارنة بمشاركة نحو 2.7 مليون مقترع في تمهيديات عام 2011. وللإشارة، فقد بلغ عدد مقترعي تمهيديات اليمين قبل أسابيع حوالى 4.3 ملايين.
(الأخبار)