اتخذ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أسبوعه الأول في البيت الأبيض، سلسلة من القرارات السياسية والاقتصادية الصادمة في مجالات عدة، وضعته في مواجهات سياسية وشعبية، وأخرى اقتصادية، إذ بات يواجه «كوربوريت أميريكا» و«وول ستريت»، علماً بأن موقف الأخيرتين لم يتبلور بصورته النهائية بعد.


وقد أدى توقيعه على قرار الانسحاب من معاهدة التجارة عبر المحيط الهادئ، إلى إعراب بعض دول منطقة «آسيا ــ المحيط الهادئ» عن اهتمامها بدخول الصين في المعاهدة، وهنا تبقى الأمور متعلقة بما ستقوم به الصين (خاصةً مع قول ترامب إنه سيرفع الضرائب الجمركية على البضائع الصينية بنسبة 40%). لكنه من المحتمل جداً أن لا يكون ردّ فعل الصين قوية، توخياً لمزيد من المواجهة مع الولايات المتحدة. برغم ذلك، فإنّ النقاش يبقى في مكان آخر.
للوهلة الأولى، قد تبدو سياسات ترامب الاقتصادية متناقضة في خطابه، إذ إنّ تبرير انسحاب الولايات المتحدة من المشاورات حول اتفاقات تجارية دولية مثل معاهدة التجارة عبر المحيط الهادئ، بأنها «مضرّة» (بحسب قوله للطبقة العاملة الأميركية)، كان مطلباً أساسياً لليسار الديموقراطي الذي يمثله بيرني ساندرز، وهو مطلب يمثّل كارثة بالنسبة إلى الشركات المتعددة الجنسيات، إذ يحرمها أرباحاً تساوي عشرات مليارات الدولارات.


تقود سياسات ترامب الحمائية نحو مواجهة بين الرأسماليين والنظام نفسه

وفي مقلب آخر، فإنّ وعد ترامب بخفض الضرائب على الشركات الأميركية ووعدهم برفع القيود التنظيمية عن السوق، يعدّ خطوة نيوليبرالية متطرفة، تفتح المجال أمام المتنافسين في قطاعات شتّى للقيام بتحديد قواعد لعبتهم في السوق الداخلي دون رقابة.
إضافةً إلى ذلك، يريد ترامب إعادة النظر باتفاقية «نافتا» مع كندا والمكسيك لمصلحة تغييرات حمائية (ما قد يرحب به الفريقان لكونهما يعتبران الاتفاقية مضرة لهما برغم ضرورتها). كذلك يدعو إلى الاستبدال بالاتفاقات التجارية المعولِمة، اتفاقاتٍ ثنائية بين البلاد «تضع أميركا أولاً» (وهي اتفاقات تسمح للدول الكبرى بالهيمنة على حلفائها الصغار).
لكن برغم التناقض، فإنّ منطق هذه السياسات ينبع من السعي إلى خلق سوق وطني حرّ تتنافس ضمنه الشركات المحلية على تأمين الطلب الداخلي، بالتوازي مع تنظيم التبادل التجاري وحركة القوة العاملة من البلاد وإليها، ما يتناقض مع مصالح الشركات العابرة للحدود والقطاع المالي.
ولفهم ما يجري، قد يكون من المفيد التذكير بأنّ الرأسمالية تقوم على نظام ذي آليات معينة منها ثابت ومنها متغير على نحو جدلي، وبسبيل الاستمرار فهي تعيد إنتاج (وإنقاذ) ذاتها كما يقول ماركس. وتتناقض هذه العملية مع مصالح الرأسماليين الكبار، إذ تفرض عليهم واقعاً يحدّ من قدرتهم على الاستمرار بمراكمة الأرباح، وتفتح المجال أمام فاعلين اقتصاديين غيرهم، من خلال تغيير قواعد اللعبة. هنا، ينشأ صراع رأسمالي ــ رأسمالي، بين «متمدد قديم» و»صاعد جديد»، وحتى بين الرأسماليين الكبار والنظام الرأسمالي نفسه.
نحتاج لهذا الإطار لفهم المواجهة التي لا بد أن تقود إليها السياسات الحمائية لترامب، بين إدارته والقطاع المالي والشركات الكبرى المتعددة الجنسيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مركزاً لها، والتي تقوم بنية أعمالها على كونها عابرة للحدود، وهي تشكل الثقل الأكبر في الاقتصاد الأميركي والعالمي. وسيكون لذلك دون شك أثر في بنية الاقتصاد الأميركي والعالمي، وإن لم يزل الوقت مبكراً للتوقعات.
ما يَثبت في جميع الأحوال أنّ مصلحة الطبقة العاملة التي انتخبت ترامب، ليست ما يشغل بال الرئيس. فوعوده بخلق 25 مليون وظيفة، اعتبرها الاقتصادي في «كابيتول اكنومكس»، أندرو هانتر، خياليةً، موضحاً أن الولايات المتحدة خلقت 15 مليون وظيفة منذ عام 2010. وحتى إن تمكن من خلق الوظائف إثر النمو الذي قد يشهده الاقتصاد، بحسب قول كبير الاقتصاديين في «دوتش بانك»، دايفيد فولكرز لانداو، فإنّ مسألة تحديد الأجور والضمانات وما إلى ذلك ستترك للسوق، ما يثير التساؤل عن فعالية هذه الوظائف في «إعادة بناء الطبقة الوسطى الأميركية». أما النمو، فهو عبارة عن أرباح هذه الشركات ولا يعني أبداً (خاصة مع غياب الدولة) استفادة الناس منه.