لندن | تواصل رئيسة الوزراء البريطانيّة، تيريزا ماي، سلسلة مغامراتها الدون كيشوتيّة في إدارة شؤون المملكة المتحدة وتداعيات مسألة مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي ــ أو ما صار يعرف بالبريكست. فتغادر الولايات المتحدة بعد اجتماعها مع الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب أمس، متجهة إلى تركيا للاجتماع بالرئيس رجب طيب أردوغان، بوصفه حليفاً محتملاً آخر في مواجهتها العبثيّة مع الاتحاد الأوروبي.


الرسالة الاستراتيجيّة التي تحاول ماي إرسالها من خلال سلسلة الرحلات التي أخذتها إلى الهند والخليج والولايات المتحدة، والآن إلى تركيا، هي أن بريطانيا قادرة في حال نشوب حرب تجاريّة ضد الاتحاد الأوروبي (أو حتى في حال عدم حصول المملكة المتحدة على ما تريده في مفاوضات الخروج المحتملة)، على تعويض ذلك من خلال تقوية التبادل مع شركائها التجاريين الآخرين عبر العالم.
لكن هذا الأمر لا يبدو أنه يستحق حتى أن يوصف بالاستراتيجيّة، فالاقتصاد البريطاني شديد التشابك وعلى مستويات بنيويّة عدّة مع الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الاستهلاكيّة والمنتجات الماليّة والخدمات، وهو يمثل أكبر شريك على الإطلاق للمملكة المتحدة، بينما يمثّل الشركاء البدلاء نسباً قليلة من حجم التبادل التجاري الحالي للبلاد (الهند مثلاً أقل من ١٪).


أسباب عدة تجعل من
حجب الثقة عن مشروع
ماي أمراً ممكناً
ومن المستحيل عمليّاً أن يعوّض أي شريك نوع التبادل الحالي وكمّه مع الاتحاد الأوروبي، أقله خلال عقد أو اثنين، فضلاً عن التحديات التقنيّة واللوجستيّة الهائلة التي يتطلبها مثل ذلك التحوّل في وقت لم يتعافَ فيه الاقتصاد البريطاني من الضغوط الاقتصاديّة التراكميّة للأزمة المالية العالميّة في ٢٠٠٨، ومع خطر التضخم المتوقع بعد تراجع قيمة الجنيه الإسترليني.
وبرغم كل الادعاءات والخطابات الرنانة، وحتى الهديّة الرمزيّة التي بعثتها رئيسة الوزراء ماي إلى الرئيس ترامب في عيد الميلاد الماضي ــ أرسلت إليه نص خطاب تشرشل في عيد ميلاد عام ١٩٤١ للشعب الأميركي، متضامناً مع الولايات المتحدة عشيّة الهجوم الياباني على بيرل هاربر ــ للترويج للعلاقة الخاصة بين بريطانيا والولايات المتحدة، وقبلها عن فتح آفاق تعاون غير مسبوق مع الشركاء التاريخيين للإمبراطوريّة البريطانيّة الزائلة ــ الهند والخليج ــ فإنّ خبراء التفاوض التجاري يعلمون أن ماي تأتي في جميع جولاتها من موقف الضعف لا موقع القوّة، فهي «كمن باع بيته مقدّماً» ــ تقول «نيويورك تايمز» ــ وجاء يفاوض لشراء بيت جديد، بينما ليس لديه مكان يبيت فيه. الشركاء البدلاء يعلمون ذلك تماماً، وهم على لطفهم الشديد في استقبال ماي تقديراً ربما لجهود أجدادها الذين هيمنوا على هذه المناطق عشرات السنوات، ليسوا مستعدين الآن إلا لتقديم دعم مشروط يخدم مشاريعهم ومصالحهم هم. كذلك إن مسارعة ماي لحجز أول مقعد في طابور الزعماء الأجانب الراغبين في مقابلة الرئيس الأميركي الجديد، عدَّت تأكيداً لموقف الضعف الاستراتيجي الذي تعيشه، إذ إن الزعماء الأقوياء سينتظرون غالباً الوقت المناسب في المستقبل، أو حتى مبادرة واشنطن لترتيب اللقاءات.
موقف ماي الضعيف متأتٍّ، ليس فقط من عوامل استراتيجيّة عالميّة تتعلق بتراجع مكانة وهشاشة تموضع المملكة المتحدة في منظومة السياسة والاقتصاد العالميين مقارنة باللاعبين الكبار والتجمعات الإقليميّة المختلفة، بل أيضاً من حقيقة أنها تواجه تحديّات داخليّة عديدة سياسيّة وبرلمانيّة واقتصاديّة واجتماعيّة تتراكم في وجه حكومتها، وقد تنفجر في أي لحظة، مطيحةً حكومة المحافظين من السلطة بالكامل، وفاتحةً الباب على مجهول الانتخابات العامة المبكرة.
وتتحدث الأجواء السياسيّة البريطانيّة في المجالس الخاصة عمّا يمكن تشبيهه بسرد أحداث «انقلاب» معلن على ماي يجري الإعداد له بين قوى مختلفة متقاطعة في مواقعها ومصالحها، لكن يجمعها توافقها على معارضة مشروع الحكومة للخروج من الاتحاد الأوروبي. وقد اكتسبت القوى الانقلابيّة قبل أيام ساحة مهمة للتحرك ــ غير التظاهرة المليونيّة التي ستسبق الموعد الذي حددته ماي لتفعيل المادة الخمسين من دستور الاتحاد الأوروبي وإطلاق مفاوضات الانفصال رسميّاً، وذلك عندما حكمت المحكمة العليا ــ في لطمة عنيفة لسياسة ماي ــ بإجبار الحكومة على أخذ موافقة البرلمان قبل تنفيذ قرار الخروج من الاتحاد.
وعلى الرّغم من أن الأغلبيّة البرلمانيّة البسيطة تبدو شبه محسومة حتى الآن لمصلحة ماي أساساً بفضل التزام حزب العمال المعارض المعلن بعدم معارضة البريكست في البرلمان، إلا أن الانقسامات الحادة حول المسألة في حزب المحافظين الحاكم ذاته ــ ومنهم أعضاء بارزون في الفريق الحكومي يمكن أن يقفزوا من السفينة ــ والتمرد المتسع النطاق ضد قيادة جريمي كوربن في أوساط داعمي حزب العمال وفريق نوابه في البرلمان، وكذلك معارضة كتلتي الحزب القومي الإسكتلندي والليبراليين الأحرار لأي خروج سريع وتام من الاتحاد الأوروبي، كل ذلك سيجعل إمكان حجب الثقة عن مشروع ماي للبريكست أمراً ممكناً نظريّاً، الأمر الذي سيسقط آخر شرعيّة لبقاء ماي على رأس الحكومة، وهي التي يعاب عليها أصلاً انعدام الشرعيّة الانتخابيّة منذ توليها منصبها.
في ظل هذه الأجواء الشكسبيريّة المتسارعة، ستكون المملكة المتحدة مقبلة على ربيع سياسي ساخن في آذار المقبل. فبين مؤامرات الانقلابيين في الغرف المغلقة، والتحركات الشعبيّة المخطط لها، وقوة الشرعيّة التي اكتسبها البرلمان بدعم من قرار المحكمة العليا، مع الضغوط الاقتصاديّة المتزايدة، فإن هناك ضحيتين محتملتين فقط لهذا الربيع: مشروع ماي للبريكست، ومنصبها التنفيذي. فهل نرى رئيساً جديداً للوزراء في لندن مع حلول نيسان المقبل؟