يُقال إنّ الأثرياء لا يثقون إلا بأفراد عائلتهم الضيقة (الدائرة الصغيرة) فيأتمنونهم على أغلى ما عندهم: مصدر ثروتهم. ثروة دونالد ترامب التي باتت أغلى من أمواله هو المنصب الذي انتزعه أخيراً بأصوات الأميركيين، رئاسة الولايات المتحدة الأميركية. والشخص الذي قرر ترامپ ائتمانه عليها منذ الحملة الانتخابية هو زوج ابنته «المفضلة»، صهره، جارِد كوشنر.


لقّبه البعض بـ«راسپوتين» المرشّح ــ القيصر يرافقه «كظلّه» وآخرون سمّوه «مدير الحملة بالأمر الواقع» و«الرجل الثاني الأكثر نفوذاً بعد دونالد نفسه» و«ترامپ mini me» (أو ترامپ على مصغّر)... تلك عيّنة من أسماء وصِفات أطلقت على صهر الرئيس الأميركي منذ بدأ الشاب يظهر في قلب الحملة الانتخابية التي شغلت العالم كمحرّكها الرئيسي، حتى تعيينه أخيراً مستشاراً أعلى للرئيس.
جارِد (٣٦ سنة) هو زوج ابنة ترامب البكر إيڤانكا، وهو، كزوجته، ولد وفي فمه ملعقة ذهب ولم يعمل أبداً في السياسة من قبل وهو كحماه ورث عن والده إمبراطورية تجارية ضخمة وبات رجل أعمال ثرياً في سنّ مبكرة.


أبرز إنجازاته شراء
جريدة «نيويورك أوبزيرڤر»

من عائلة يهودية أرثوذكسية متديّنة، لم يتنازل كوشنر عن شرطه بأن تغيّر إيڤانكا دينها وتعتنق اليهودية قبل أن يتزوجها، فكان له ذلك. مؤمن وملتزم بتعاليم ديانته وطقوسها ويربّي ولديه على أساسها. جَدّا جارِد ناجيان من محرقة بولندا هاجرا وحطّا في بروكلين، والده تشارلي هو الذي أسس إمبراطورية «كوشنر» العقارية في الثمانينيات وجمع ثروة طائلة وانضمّ الى نادي رجال الأعمال المؤثرين والنافذين في نيوجيرسي. لوالدَي جارِد أيضاً مؤسسات طبية وتعليمية ومساهمات خيرية عديدة، حتى إن الكاتب دانيال غولدن ذكر في كتابه أن دخول جارِد إلى جامعة هارڤرد «كان نتيجة لمساهمات مالية ضخمة قدمها والده للمؤسسة التعليمية». بدأ جارِد العمل في تجارة العقارات وهو على مقاعد الدراسة، فتاجر بعقارات مساكن الطلاب وغيرها وحقق أرباحاً طائلة. تخرّج جارِد في هارڤرد بشهادة علوم اجتماعية، ثم تخصص في إدارة الأعمال في جامعة نيويورك (لوالده أيضاً مساهمات مالية ضخمة فيها). لكن حياة جارِد شهدت منعطفاً هاماً بعد تخرّجه مباشرة، إذ سُجن والده بتهم فساد وتهرّب ضريبي وتهشّمت صورة العائلة واسم «كوشنر» إعلامياً واجتماعياً وفي مجال «البزنس». خاض الشاب العشريني امتحانه الأصعب وتحمّل مسؤولية الحفاظ على ثروة والده وأعماله وعلى العائلة وعلى إعادة تبييض صورة شركات «كوشنر» واستعادة الثقة بها. يقول بعض المحيطين بجارِد إنه كدّ في العمل طوال فترة سجن والده وظلّ يزوره أسبوعياً واستطاع إنقاذ الأعمال العائلية ونسج علاقات واسعة «مع كل من احتاج إلى نصيحة منه»، ومن أبرز ملهميه وناصحيه حينها رجل الأعمال وصاحب إمبراطورية الإعلام روبرت موردوخ الذي جمعته به علاقة وطيدة. من أبرز إنجازات الشاب العشريني شراء جريدة «نيويورك أوبزيرڤر» الأسبوعية التي تعدّ من أشهر المطبوعات في الولاية، وقد ساهم في توسيع انتشارها على الإنترنت وزيادة أرباحها. لكن إنقاذ الصحيفة مالياً جاء «مقابل فقدان جمهورها النيويوركي النخبوي» كما يشير البعض، وخصوصاً بعد استقالة رئيس تحريرها بسبب خلافاته مع جارِد، «هذا الشاب لا يعرف ما لا يعرفه» قال رئيس التحرير عن مالك الصحيفة الجديد. الشاب الذي نجح في إنقاذ إمبراطورية والده ووسّع أعماله وامتلك صحيفة نخبوية ونسج علاقات جيدة مع نافذين وصُنّف بالدرجة ٢٥ على لائحة «فورتشن ماغازين» لأكثر الشباب المؤثرين في مجال الأعمال عام ٢٠١٥، بدأ يشعر بطعم النجاح باكراً و«بات يعدّ نفسه مختلفاً عن الآخرين يملك لمسة سحرية» تحوّل التراب ذهباً وتجعل من كل مغامرة نجاحاً. «دونالد ترامپ على الخطّ» قالت له السكرتيرة في أحد أيام العمل في عزّ صعود نجمه في نيويورك، ابتسم جارِد طويلاً وقال لها «أخبريه أني سأعاود الاتصال به»، يروي أحد العاملين معه في الشركة.
دونالد ترامپ لا يشبه جارِد لناحية أسلوب العيش الصاخب والإطلالات الإعلامية المثيرة والنبرة العالية في الكلام... ربما لكل ذلك انجذب الشاب المحافظ و«اللطيف جداً في تعامله مع الآخرين» الى رجل الأعمال الناجح صاحب إمبراطورية ترامپ. لكن الانجذاب ذاك تحوّل إلى إعجاب بعدما دخل جارِد إلى حلقة ترامپ العائلية الضيقة وتزوج ابنته «المفضّلة» والإعجاب بات دعماً مطلقاً خلال الحملة الانتخابية.
يقول البعض إن جارِد «آمن بنجاح ترامپ بالوصول إلى البيت الأبيض»، فيما يرى آخرون أن ترامپ وصهره «تجمعهما مصالح مشتركة وطموح جامح». والنتيجة: دونالد رئيساً وجارِد مستشاره الأعلى في البيت الأبيض.
فرض جارِد نفسه في قلب الحملة الانتخابية وتحوّل سريعاً من مسؤول عن الإعلام الإلكتروني للحملة الى مساهم في كتابة خطابات ترامپ، فمستشار يقترح عليه أفكاراً ومشاريع ويعقد له لقاءات مع شخصيات نافذة حتى بات الممر الإلزامي للوصول الى المرشّح. كسب جارِد ثقة دونالد وامتنانه ربما، وخصوصاً أن عائلة كوشنر ووالده تحديداً يموّل ويدعم تاريخياً مرشّحين ديموقراطيين، حتى إن أحد أشقّاء جارِد دعم حملة هيلاري كلينتون في السباق الرئاسي الأخير. ثم جاء موقف الصهر الحاسم عندما دافع بشراسة عن والد زوجته الذي اتهم بمعاداة السامية، فردّ كوشنر من موقعه كيهودي ملتزم جميع التهم عن ترامپ بحنكة وحزم. بات جارِد الكلمة المسموعة في أذن ترامپ، حتى إن البعض يحسمون دوره الأساسي باستبعاد القاضي المقرّب من ترامپ حاكم نيوجيرسي كريس كريستي عن منصب نائب الرئيس، إذ إن كريستي هو الذي حكم على والد جارِد وسجنه قبل حوالى عشر سنوات.
قرر ترامپ إبقاء جارِد بجانبه بعد وصوله الى البيت الأبيض، فنصّبه مستشاراً أعلى وسلّمه أيضاً ملف المحادثات الإسرائيلية ــ الفلسطينية وهو من أصعب ملفات السياسة الخارجية. ترامپ قال إنه «واثق من أن جارِد سيساعده بأن يكون الرئيس الذي يحقق السلام»، لكن المراقبين يشككون في ذلك وخصوصاً أن عائلة كوشنر تدعم بناء المستوطنات غير الشرعية في فلسطين المحتلة من خلال تمويل إحدى المؤسسات الإسرائيلية المتطرفة، وجارِد شخصياً مقرّب جداً من محيط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.