باريس | توالت أمس فصول "الاقتراع العقابي" المناهض للاستبلشمنت المهيمن في فرنسا، إذ شهدت الدورة الثانية من انتخابات اليسار التمهيدية إقصاء رئيس حكومة هولاند السابق مانويل فالس، الذي طاولته "المكنسة الانتخابية" ذاتها التي أقصت نيكولا ساركوزي وألان جوبيه في الانتخابات التمهيدية اليمينية.


هذا "الاقتراع العقابي"، الذي يعتقد أغلب المحللين أنه يشكل ظاهرة ستكون لها تأثيرات حاسمة في تحديد هوية الفائز بالرئاسة في أيار المقبل، لم يُترجم فقط في انهزام مانويل فالس، بوصفه حامل لواء "الإرث الهولاندي"، أمام بنوا هامون، ممثل الجناح اليساري للحزب الاشتراكي، الذي حظي بأغلبية واسعة تجاوزت 58 في المئة من الأصوات، بل رافقت إقصاء فالس أيضاً زيادة مُلفتة في إقبال الناخبين على الاقتراع خلال هذه الجولة الثانية، حيث تجاوزت المشاركة عتبة مليوني ناخب، بزيادة فاقت 25 في المئة، مقارنة بنسبة المشاركة التي سُجّلت الأحد الماضي، خلال الدورة الأولى.


تشير ظاهرة «المكنسة الانتخابية» إلى رغبة راسخة في تخطّي الأحزاب التقليدية


تزكية بنوا هامون حملت بشكل واضح بصمة معاداة الإرث الهولاندي. فهامون تزعم، طوال الأعوام الثلاثة الماضية، حركة "المتمردين" ضد سياسات هولاند من داخل الكتلة البرلمانية الإشتراكية. وهي الحركة التي اضطرت حكومة فالس الى تمرير العديد من القوانين ذات المنحى الليبرالي، وفِي مقدمتها قانون العمل الجديد، من دون تزكية برلمانية، من خلال اللجوء الى المادة 49-3 من الدستور الفرنسي، التي تعطي للحكومة إمكانية الالتفاف على الأغلبية البرلمانية، وتمرير القوانين الأكثر إثارة للجدل، على أساس الثقة بالحكومة.
وكان هامون قد أحدث المفاجأة الأحد الماضي، حين حلّ في المرتبة الأولى، في الدورة الاولى من انتخابات اليسار التمهيدية، متقدماً لا على فالس فحسب، بل أيضاً على أبرز أقطاب التيار اليساري للحزب الاشتراكي، أمثال وزير الصناعة السابق أرنو مونتبورغ، ووزير التربية السابق فانسان بيون. ثم تأكد هذا التوجه العقابي للإرث الهولاندي من خلال تزايد الإقبال على الاقتراع، أمس، في الدورة الثانية.
احتشاد الناخبين الناقمين بهذا الشكل الملفت ضد مانويل فالس، أعاد الى الأذهان نسبة مماثلة من الناخبين (قرابة 600 ألف صوت) ممن دخلوا معترك الانتخابات التمهيدية اليمينية، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بدافع معلن ووحيد هو قطع الطريق أمام عودة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الأمر الذي يثبت أن هذه "المكنسة الانتخابية" المناهضة للاستبلشمنت السياسي المهيمن تتطلع إلى إسقاط ثنائية الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار، حيث إنها تكيل القدر ذاته من العداء للشطط الليبرالي الذي اتسم به عهد ساركوزي، ولليسار الرخو المهادن لهيمنة عالم الأعمال خلال سنوات حكم هولاند.
هذه الظاهرة المستجدة، ظاهرة "المكنسة الانتخابية"، تنمّ عن رغبة راسخة لدى الناخبين الفرنسيين في قلب الطاولة على الأحزاب التقليدية التي تتداول على الحكم في فرنسا، منذ ثلث قرن، ما يرجّح أن تكون الغلبة في المعترك الرئاسي القادم لمرشحين قادمين من الأطراف (جان لوك ميلانشون، على أقصى اليسار؛ مارين لوبان، على أقصى اليمين) أو للـ"الخوارج" من المرشحين خارج الأطر الحزبية التقليدية، كوزير الاقتصاد المنشق عن هولاند، إيمانويل ماكرون، الذي يتصدر استطلاعات الرأي حالياً، وفرنسوا بايرو، الذي يرجّح أن يعلن ترشيحه في مطلع الشهر المقبل، والذي كان قد لعب دوراً حاسماً في قطع الطريق أمام ساركوزي، وترجيح الكفة لحساب اليسار في انتخابات الرئاسة عام 2012، بالرغم من أنه ينحدر من يمين الوسط.
هذه التوقعات ترسّخت أكثر، على إثر الهزة التي تعرض لها مرشح اليمين، فرانسوا فيون، هذا الأسبوع، وجعلت شعبيته تتدنى بأكثر من 15 في المئة، منذ التسريبات التي كشفتها صحيفة "لوكانار أونشينيه"، الأربعاء الماضي، بخصوص فضيحة الوظيفة الوهمية لزوجته بينيلوب، التي تقاضت قرابة نصف مليون يورو، على مدى سبعة أعوام، بوصفها مساعدة برلمانية لزوجها، في حين كان الجميع يعتقد أنها ربّة بيت متفرغة لتربية أولادها، كما كان يفاخر بذلك فيون نفسه!
ولم تكد تمر أيّام قليلة على تلك التسريبات، حتى وجّهت "ميديا بارت" سهماً إضافياً إلى فيون، أول من أمس السبت، كاشفة أنه استفاد، على غرار العديد من البرلمانيين اليمينين، من عمولات سرية سمحت لهم بأن يتقاضوا قرابة 600 ألف يورو من الأموال العمومية التي كان من المفترض أن تستعمل لتغطية نفقات مساعديهم. وهي التهم التي سبق أن أدين بخصوصها وزير داخلية ساركوزي السابق، كلود غيون.
بالرغم من أن فيون نجح، مساء أمس، في تنظيم تجمع ضخم استقطب أكثر من 15 ألف شخص في قاعة "لا فيلات" في باريس، وسعى إلى تجاوز هذه الهزة التي طاولته، من خلال نبرة هجومية أعطت الانطباع لأنصاره بأنه لا يزال مؤهلاً لقيادة المعسكر اليميني في معركة استعادة الإليزيه، لكن ذلك لم يضع حداً للشائعات والتساؤلات حول احتمال اضطرار فيون إلى سحب ترشيحه، في حال توجيه الاتهام له رسمياً من قبل القضاء بتهمة اختلاس المال العام.
احتمال تنحّي فيون يشكل سيناريو كارثياً من شأنه أن يضع "حزب الجمهوريين" أمام معضلة قانونية وانتخابية شائكة. فألان جوبيه، الذي حل ثانياً في الانتخابات التمهيدية، رفض بشكل قطعي أن يكون بديلاً من فيون في حال اضطراره إلى التنحي، الأمر الذي يفتح المجال أمام الساركوزيين لاغتنام هذه الأزمة، بهدف العودة الى الواجهة والهيمنة مجدداً على قائمة "حزب الجمهوريين"، بالرغم من أن الانعكاسات السياسية والانتخابية لذلك ستكون وخيمة على معسكر اليمين، وخاصة أن الفضائح التي طاولت فيون جاءت في توقيت حرج لم يعد يسمح بإعادة تنظيم انتخابات تمهيدية، في حين لا توجد في القانون الداخلي لـ"الجمهوريين" آليات واضحة لتزكية أو انتخاب مرشح بديل.