في أول زيارة للمستشارة الألمانية إلى تركيا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز الماضي، تصل أنجيلا ميركل إلى أنقرة اليوم حيث من المتوقع أن تبحث قضايا مكافحة الإرهاب والهجرة والقضية القبرصية والعلاقات التركية الأوروبية، إلى جانب العلاقات الثنائية بين البلدين ومسائل دولية وإقليمية.


لكن هذه الزيارة التي تأتي بعد أيام من زيارة رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، لأنقرة، تُقابل بانتقادات داخلية في ألمانيا. ففيما اعتُبرت زيارة ماي أنها محاولة «بائسة» للبحث عن شركاء تجاريين عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تنتقد قوى المعارضة الألمانية زيارة ميركل على اعتبار أنها قد تقدم لأنقرة «رسالة مغلوطة». وقالت نائبة «حزب اليسار» الألماني، سيفيم داغديلن، إنّ زيارة ميركل تأتي في «لحظة غير ملائمة»، خاصة أن حضور المستشارة قبل أسابيع فقط من الاستفتاء على النظام الرئاسي في تركيا، يُفهم فقط على أنه تقديم دعم لرجب طيب أردوغان.


قد يفهم أردوغان
من الزيارة أنه قادر على
ابتزاز أوروبا

وقد دفع المناخ السياسي الداخلي المتوتر في تركيا بصحف ألمانية وأوروبية إلى التساؤل عن توقيت زيارة ميركل التي بات جزء مهم من الصحافة الغربية يصفها بأنها «قائدة الأمر الواقع للعالم الحر في عهد دونالد ترامب». وعنونت صحيفة «سيدوتشي زيتونغ» الألمانية بـ«لماذا الآن؟»، فيما قالت صحيفة «لوموند» الفرنسية، في تقرير، إن «الدبلوماسيين الألمان يدركون أن لا شيء كثيراً يُنتظر من هذه الزيارة التي تخاطر فيها ميركل بالظهور وكأنها تقدم الدعم لأردوغان، قبل أسابيع من الاستفتاء على التعديل الدستوري»، مستدركة بالقول إنه «في برلين وفي عواصم أوروبية أخرى، هناك رغبة في الحفاظ على صلات مع هذا البلد الذي يُعتبر ذا أهمية استراتيجية».
وتمكّن «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، قبل أسبوع، من إقرار مشروع تعديل دستوري في البرلمان يحوّل النظام في تركيا إلى رئاسي ويمنح الرئيس التركي صلاحيات واسعة، ومن المرتقب أن يدعو أردوغان إلى استفتاء شعبي في شهر نيسان المقبل.
وبالنسبة إلى نائبة رئيس البرلمان الألماني، النائبة عن «حزب الخضر»، كلوديا روث، فإن هناك مقاربات متوازية بين آخر زيارة رسمية لميركل إلى أنقرة عام 2015 وزيارتها اليوم. وقالت روث إن أردوغان استغل اجتماعه مع ميركل في ذلك الوقت للدفع بحملته الانتخابية، فيما قد يستفيد اليوم لدعم الاستفتاء على التعديل الدستوري الذي «سيسهم فقط في إجهاض الديموقراطية البرلمانية» في تركيا. وتابعت روث أنه إذا ما التزمت ميركل الصمت على «انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا»، فإن ذلك سيعتبر رسالة لأردوغان بأنه قادر على ابتزاز أوروبا بتهديده بإعادة فتح الحدود للمهاجرين، في إشارة إلى تهديد أنقرة المتواصل بوقف العمل باتفاق المهاجرين مع أوروبا.
وقبل يومين، هدّد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بوقف العمل بالاتفاق، رداً على عدم تسليم أثينا جنوداً أتراكاً لجؤوا إليها عقب محاولة الانقلاب، قائلاً إن «هناك اتفاقاً بيننا وبين اليونان ومع الاتحاد الأوروبي، وسنتخذ كل الإجراءات اللازمة، من ضمنها إلغاء هذا الاتفاق». وقبل أيام أيضاً، أعلن وزير الدفاع التركي، فكري إشيق، أن على السلطات الألمانية رفض طلبات لجوء تقدم بها نحو 40 عسكرياً تركياً سابقاً تشتبه أنقرة في أن لهم صلة بمحاولة الانقلاب. وقال إشيق إن عدم رفض طلبات لجوء كتلك قد يضرّ بالعلاقات بين ألمانيا وتركيا، فيما شددت برلين على أن منح حق اللجوء للجنود سيتم وفق الإجراءات الاعتيادية المتّبعة، ووفق القانون الألماني، وبعد دراسة كل حالة بشكل منفرد.
في المقابل، رفض المتحدث باسم الحكومة الألمانية، ستيفن سيبرت، الانتقادات التي توجه للمستشارة بخصوص زيارتها، قائلاً إن «الادعاءات أن المستشارة ستتخذ موقفاً من الاستفتاء التركي المزمع القيام به هي ادعاءات فارغة». وأضاف أن الزيارة هي عبارة عن زيارة رسمية لبلد شريك في «حلف الأطلسي» وبلد مهم ومجاور للاتحاد الأوروبي. وتابع أنه، تحديداً في أوقات كهذه، تجب مناقشة «الأزمة السورية، والعلاقات الثنائية، إضافة إلى العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي... من المهم جداً السعي إلى الحوار».
لكن «المحادثات الثنائية» من دون ذكر «وضع حقوق الإنسان في تركيا» لا تكفي، وفق ما أعلنت بدورها الخبيرة في الشأن التركي في «منظمة العفو الدولية» في ألمانيا، ماري لوكاس. وفي حديث إلى «دوتشي فيللي»، قالت لوكاس إنّ على المستشارة الألمانية إثارة موضوع سجن «المنتقدين السلميين للحكومة، وعليها أيضاً أن تلتقي مع أعضاء من المعارضة وناشطين في حقوق الإنسان» في تركيا. ورأت أن ألمانيا فشلت في وضع أسس حوار حقيقي مع تركيا حول حقوق الإنسان، في أثناء مفاوضات اتفاق المهاجرين التي كانت برلين طرفاً أساسياً فيها. وقالت أيضاً إن الحكومة الألمانية بقيت صامتة، خصوصاً في ما يتعلق بالتعذيب في السجون، مشيرة إلى أن المنظمة وجدت في خلال بحثها أن المعتقلين لارتباطهم بالانقلاب يتعرضون للتعذيب في السجون التركية.
من جهة أخرى، رأى رئيس «اتحاد الديموقراطيين الأتراك الأوروبيين»، ظفر ساريكايا، في حديث إلى صحيفة «دايلي صباح» التركية، أن للزيارة أهمية بالنسبة إلى ميركل، لأنها تأتي على أعتاب افتتاح المرحلة الانتخابية المقبلة في ألمانيا. وأضاف أنّ ميركل تقوم بزيارتها «في الوقت الذي تعاني فيه من انتقادات داخلية حيال سياسة الباب المفتوح التي مارستها خلال اشتداد أزمة اللاجئين». وأشار ساريكايا إلى أن «من مصلحة ميركل اليوم الحفاظ على اتفاق إعادة قبول اللاجئين مع تركيا، وهو ما سيحدد بشكل كبير موقف ميركل في الانتخابات المقبلة».
ونقلت الصحيفة عن ظفر ساريكايا قوله إنه يأمل أن تسهم «الزيارة في تطوير موقف ميركل باتجاه دعم تركيا في حربها» على «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تعتبرها أنقرة «منظمة إرهابية في سوريا». وأشار إلى أن الزيارة «تعدّ فرصة لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وعلاقة تركيا بالقارة الأوروبية»، خاصة أنّ لتركيا «دوراً مهماً في تعزيز الأمن في القارة الأوروبية، وفي حجب تأثيرات الأزمة السورية».
(الأخبار)