عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فجر أمس، القاضي نيل غورستش في المقعد التاسع في المحكمة الأميركية العليا، مرجحاً بذلك كفة المحافظين في المؤسسة التي تبت بالمسائل الكبرى في المجتمع الأميركي. وقال ترامب لدى إعلانه التعيين في البيت الأبيض إنّ «القاضي غورستش يمتلك قدرات قانونية غير عادية، وروحاً لامعة، وانضباطاً ملحوظاً».


وأثار تعيين المحافظ غورستش (49 عاماً، ويعمل في محكمة الاستئناف الاتحادية) خلفاً لأنتونين سكاليا الذي توفي في شهر شباط 2016 بعدما قضى عشر سنوات في المحكمة، ردود فعل سريعة في أبرز الصحافة المحلية. وذهبت صحيفة «وول ستريت جورنال»، إلى حد اعتبار أنّ هذا القرار قد يعدّ الأكثر تأثيراً لترامب «مقارنة بمجموع القرارات التي اتخذها في خلال الأيام الـ 12 الأولى من عهده». وأوضحت أنّ من شأن هذا القرار «إعادة التوازن الأيديولوجي في أعلى محكمة أميركية، لمصلحة المحافظين».
ومنذ عام، لا تضم المحكمة الواقعة على تلة الكابيتول في واشنطن سوى ثمانية قضاة إثر وفاة سكاليا، هم أربعةٌ تقدميون وثلاثةٌ محافظون، إلى جانب القاضي أنطوني كينيدي الذي يقف بين الطرفين. ويشابه غورستش بأسلوبه، وبفكره القانوني القائم على العودة إلى أصل المعنى والهدف من بنود الدستور، سلفه سكاليا الذي يصفه بـ»أسد القانون». وبالتالي، لا بد أن يقود هذا النهج القانوني إلى قرارات قضائية شديدة المحافظة، كما تشرح «واشنطن بوست».


لاقى خيار ترامب ارتياحاً لدى المتدينين التقليديين والمحافظين

ولاقى خيار ترامب ارتياحاً لدى المتدينين التقليديين والمدافعين عن حيازة الأسلحة النارية وأنصار العمل بعقوبة الإعدام وأصحاب المصالح المالية النافذة. ويُعَدّ الخيار أيضاً بمثابة تسديد دين للمسيحيين الإنجيليين والجمهوريين المحافظين الذين دعموا وصول ترامب إلى الرئاسة. وفي هذا الصدد، قال الرئيس الأميركي الجديد في كلمة إعلان خياره، إن «ملايين الناخبين رأوا أن هذه المسألة هي الأهم بالنسبة إليهم عندما صوتوا لي كرئيس»، مضيفاً: «أنا أفعل ما أقول، وهو ما كان ينتظره الناس من واشنطن منذ مدة طويلة جداً».
من جهة أخرى، شرحت «واشنطن بوست» أنّ من شأن اختيار غورستش أن يُطمئن القاضي أنطوني كينيدي (80 عاماً)، الذي يعدّ الشخصية الرئيسية في المحكمة العليا، خاصة أنه غالباً ما يسمح توجهه بالفصل بين المحافظين والتقدميين. ورأت الصحيفة أنّ أحد رهانات ترامب لدى اختياره غورستش تمثّل في تأمين ضمانات لكينيدي حتى ينسحب من المحكمة، ويسمح للرئيس باختيار قاضٍ آخر. وأوضحت أنّ الاختيار جاء مناسباً لأنّ غورستش يُعَدّ قريباً من كينيدي، وتساءلت: «من أفضل من غوسرتش لطمأنة كينيدي؟».
وتعدّ المحكمة العليا حامية دستور الولايات المتحدة، ويعيّن كل عضو فيها مدى الحياة بقرار من الرئيس قبل تثبيته عبر تصويت في مجلس الشيوخ الذي يشكّل الحزب الجمهوري الأغلبية فيه حالياً. ويشغل الجمهوريون 52 مقعداً في مجلس الشيوخ، لكنهم يحتاجون إلى ستين صوتاً للتصديق على تعيين القاضي. ويعني ذلك أنه يتعين على غورستش كسب بعض الأصوات الديموقراطية، وهو ما يتوقع أن يصعب تحقيقه عقب الخلاف السائد بعد إصدار ترامب قراراً تنفيذياً يمنع دخول مواطني سبع دول ذات غالبية سكانية مسلمة إلى الولايات المتحدة مؤقتاً.
ويُرجح أن تنبع غالبية المعارضة الديموقراطية التي سيواجهها غورستش من تصرفات الجمهوريين بعد وفاة سكاليا. ففيما رشح الرئيس الديموقراطي السابق باراك أوباما، القاضي ميريك غارلاند، في آذار ليشغل المقعد الشاغر خلفاً لسكاليا، رفض مجلس الشيوخ تثبيته. وفي تأكيد لهذا التوجه، حذّر السناتور الديموقراطي كريس كونز من «الطبيعة البشرية» الساعية إلى الانتقام، وقال إن غورستش يجب أن يحصل على ما لم يحصل عليه مرشح أوباما وهو «جلسة استماع كاملة».
وفي هذا السياق، أعلن زعيم كتلة الديموقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، أنه «في غضون أكثر من أسبوع بقليل منذ بدء رئاسة ترامب، انتهكت الإدارة الجديدة قيمنا الأساسية، وتحدت مبدأ الفصل بين السلطات، واختبرت نسيج دستورنا بأسلوب غير مسبوق». وتابع أنه يتعين على «غورستش أن يثبت أنه ضمن التيار القانوني» وأن «يدافع بقوة عن الدستور في وجه انتهاكات (القرارات) التنفيذية»، في إشارة إلى القرارات الرئاسية. وأضاف: «نظراً إلى سجل غورستش، لدي شكوك جدية بشأن قدرته على تلبية هذا المعيار».
ورغم المعركة المريرة المتوقعة في الكونغرس، توجه غورستش أمس إلى مبنى الكونغرس مع نائب الرئيس مايك بنس، للتشاور مع زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل. وقال ماكونيل: «نحن جميعاً مسرورون من اختيار ترامب»، معرباً عن حماسته للبدء في عملية التثبيت. وأشاد بـ»الخلفية المبهرة والسجل الطويل (لغورستش) لتطبيق القانون والدستور بأمانة»، مضيفاً أنه «عندما ثبته مجلس الشيوخ سابقاً في محكمة الاستئناف، تمتع بدعم كبير من الحزبين» في المجلس.
وأشارت «نيويورك تايمز» أمس، إلى أنه إذا ما وافق مجلس الشيوخ على تعيين غورستش، فسيكون في المحكمة، لمرة جديدة، غالبية قضاة عيّنهم رؤساء جمهوريون، الأمر الذي يشكل، وفق الصحيفة، مشكلة كبيرة بالنسبة إلى نقابات العمال في القطاع العام وبالنسبة إلى قوانين البيئة وقضايا أخرى مهمة، مثل الإجهاض.
(الأخبار، أ ف ب)