أما وقد كان دونالد ترامب قطب عقارات وشخصية إعلامية وتلفزيونية، قبل أن يُنتخب رئيساً للولايات المتحدة، فليس من المستغرب أن يكون كبير استراتيجييه مديراً سابقاً لأحد المواقع الإلكترونية، ومخرجاً لوثائقيات ومنتجاً لأفلام هوليوودية... ترامب لم يحرص على «إعطاء الخبز للخباز» (وفق المفهوم العام) منذ أن بدأ بتشكيل إدارته، فستيفن بانون دليل ماثل على ذلك. وربما كان انجذاب الرئيس الأميركي إلى بانون مبنياً على «ذكاء حاد» وُصف به هذا الأخير، وعلى عوامل مشتركة كثيرة، أبرزها العداء للعولمة الاقتصادية، والنزعة القومية.


بانون (62 عاماً)، ترعرع في عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى في ريتشموند، وعمل في البحرية الأميركية من دون أن يشارك في مهمة ذات أحداث تُذكر. ولكن حياته تغيّرت بعدما التحق بكلية إدارة الأعمال في جامعة هارفرد، وما تلا ذلك من انضمامه إلى مجموعة «غولدمان ساكس»، وهي التجربة التي مهّدت الطريق أمامه لإنشاء مصرف استثمار جنى منه ثروة. خلال السنوات الـ15 الأخيرة، تنقّل بين الإعلام الترفيهي والمحافظ؛ أنتج وأخرج وثائقيات سياسية محافظة، وأفلاماً عن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، والمرشحة الجمهورية لمنصب نائب الرئيس لعام 2008، سارا بالين.


وجد بانون في صعود «داعش» فرصة لإنعاش أفكاره المتطرّفة

حاز منصّة صلبة لأفكاره، في عام 2012، عندما أصبح مديراً لموقع «بريتبارت»، بعد وفاة مؤسسه أندرو بريتبارت. هناك، وضع بانون الحجر الأساس لدوره كبطل في «اليمين البديل»، وهي حركة معادية للعولمة، جذبت عدداً كبيراً من القوميين البيض الأميركيين. وكانت قد سبقت ذلك، نقطة تحوّل أخرى بالنسبة إليه، هي الأزمة المالية، في عام 2008، التي رأى فيها خيانة للطبقة العاملة، فتبنّى «مبادئ ثورة حزب الشاي» المحافظة، ضد النخبة الجمهورية والديموقراطية.
في عام 2014، وجد بانون نفسه قائداً لما أسماه «حركة حزب الشاي العالمية» ضد نخبة مالية وصفها بـ»حزب دافوس»، في إشارة إلى المنتدى الشهير الذي يستضيف حدثاً سنوياً يحضره لفيف من النخب الاقتصادية، إلى جانب رؤساء الحكومات والوزراء. وفي خطاب بُثّ أمام مؤتمر عُقد في الفاتيكان، ثار على وول ستريت والطبقة الرأسمالية، التي لا يبتعد كثيراً عنها. «الطبقة الوسطى، الرجال والنساء العاملون في العالم... تعبوا من أن يكونوا مسخّرين لما نسميه حزب دافوس»، قال حينها.
في ذلك الوقت، كان صعود تنظيم «داعش» في أوجه، ووجد فيه بانون فرصة إضافية لإنعاش أفكاره المتطرّفة. «نحن في حرب صريحة ضد الفاشية الإسلامية الجهادية»، صرخ أمام مستمعيه في المؤتمر. وأضاف: «أظنّ أنه يجب أن تتخذوا موقفاً عدائياً جداً جداً جداً ضد الإسلام المتطرّف».
ولسنوات، قبل أن يستحوذ على انتباه العالم ككبير استراتيجيي الرئيس دونالد ترامب، كان بانون يطوّر ويعبّر عن «مواقف متطرّفة وحادّة»، هدفها إعادة صياغة الولايات المتحدة ودورها في العالم. ومن أبرزها تلك التي أطلقها، في تشرين الثاني 2015، عندما أجرى مقابلة مع النائب الجمهوري ريان زينكيه (مرشح ترامب لمنصب وزير الداخلية)، الذي كان معارضاً لخطة الرئيس السابق باراك أوباما بتوطين عدد من اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة. «يجب أن نوقف اللاجئين إلى حين التحقق منهم»، قال زينكيه، فقاطعه بانون متسائلاً: «لماذا ندعهم يدخلون؟». وأعرب، يومها، عن اعتقاد بأنّ التحقق من اللاجئين الآتين من الدول ذات الغالبية المسلمة سيكلّف مالاً ووقتاً. «ألا يمكن استخدام ذلك المال في الولايات المتحدة؟»، عقّب على ذلك، مضيفاً: «هل ينبغي لنا أن نتوقف لسنوات، ونخصّص مكاناً، للتدفق الآتي من تلك المنطقة العالم؟».
وفي حلقة من برنامجه، في آذار 2016، عبّر بانون عن رأي مفاده أن استعادة السيادة تعني خفض الهجرة. وانتقد برنامج التأشيرات الذي يسمح للشركات الأميركية بإعطاء وظائف تقنية لعمال من الخارج. «هؤلاء الأثرياء التقدميون في وادي السيليكون، يُحضرون الناس من كل أنحاء العالم إلى الولايات المتحدة»، هي العبارة التي استخدمها. وأضاف أن «عشرين في المئة من سكان هذه البلاد هم من المهاجرين»، متسائلاً: «أليس هذا صلب المشكلة».
مواقفه السابقة، التي كانت تُبث أساساً عبر موقع «بريتبارت» وغيره من المنصات المحافظة، خدمت كخريطة طريق للأجندة المثيرة للجدل التي اكتسحت واشنطن، منذ تسلّم ترامب. ويذهب العديد من التقارير الإعلامية إلى الإشارة إلى أن بانون كان مهندس الكثير من القرارات المتخذة، خلال أول أسبوعين لترامب في البيت الأبيض، بدءاً بالانسحاب من اتفاقية التجارة عبر المحيط الهادئ، ووصولاً إلى منع دخول المهاجرين من سبع دول. وتذكر الكاتبة كاثرين دي يونغ، في «واشنطن بوست» أن دوره كان مباشراً في وضع قانون الهجرة، الأمر الذي تؤكده شبكة «سي ان ان»، موضحة أن الدائرة المقرّبة من ترامب، ومنها ستيفن بانون، وضعت النقاط الأساسية للقرار، حتى إن هذا الأخير «كان يدير النقاش المتعلق بحاملي البطاقات الخضراء، ويعطي التوجيهات في هذا الإطار».
ولكن اللحظة المصيرية لبانون حلّت ليل السبت، وجاءت على شكل قرار تنفيذي يعطيه مقعداً كاملاً في «اللجنة الأساسية» لمجلس الأمن القومي، وهو ما أثار الكثير من الاعتراضات والانتقادات. وبحسب الكاتبين غلين تروش وماغي هابرمان، في «نيويورك تايمز»، فقد جاء «توسيع مهماته» في الوقت الذي كان يجري فيه تقليص أدوار رئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير الاستخبارات الوطنية، اللذين سيحضران اجتماعات المجلس عندما يناقش قضايا تتعلق بمسؤولياتهم حصراً. «يعد هذا الأمر ترفيعاً لمستشار سياسي، إلى موقع يوازي وزيري الخارجية والدفاع»، يقول الكاتبان اللذان يضيفان أن بانون «يتفوّق بذلك على مستشاري الرئيس العسكريين والاستخباريين الكبار»، من دون أن يتخطى صهره جارد كوشنير.
يبسط بانون جناحيه على مناصب مختلفة في البيت الأبيض، منتقلاً من المهم إلى الأهم والأكثر أهمية. ويصفه ديفيد إغناتيوس، في «واشنطن بوست»، بأنه «كبير الاستراتيجيين الذي يسعى إلى تنظيم حركة شعبية عالمية من أجل القيم اليهودية ــ المسيحية وضد الإسلام الراديكالي». ثمّ يذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أنه «المركز الفكري للإدارة الجديدة، الذي روّج على مدى عقد تقريباً، لرغبته بقلب أميركا والعالم رأساً على عقب، وهو اليوم يقوم بذلك فعلاً». ولكن لعلّ الأكثر اختصاراً لموقع بانون الجديد في الحياة الأميركية، هو ما ذكرته «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها، قبل يومين، إذ رأت أن القرار بتوسيع صلاحياته إلى مجلس الأمن القومي «يعني أنه يتموضع ليكون رئيس الأمر الواقع».