عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رأس وزارة التربية "جمهورية" ثرية هي بيتسي ديفوس، قامت طوال العقد المنصرم بتمويل قضية هي تطوير المدارس الخاصة. ولكن تأكيد تعيينها من جانب مجلس الشيوخ استدعى أمس، تدخلا شخصيا من نائب الرئيس مايك بنس، الذي توجه الى مبنى الكابيتول للتصويت كما ينص الدستور في حال تعادلت الاصوات.


ووافق خمسون عضوا على تعيين ديفوس في حين اعترض عليه خمسون اخرون، علما بان عضوين جمهوريين من اصل 52 انضما الى الديموقراطيين في محاولة لتعطيل التعيين. والمرة الاخيرة التي رفض فيها مجلس الشيوخ تعيين مسؤول في الادارة تعود الى العام 1989. ووفق صحيفة "نيويورك تايمز"، فهذه هي المرة الأولى في "تاريخ الأمة"، التي يقوم فيها نائب الرئيس بلعب دور لحلّ مشكلة التعادل في التصويت.
وكان زعيم الديموقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر اعتبر في وقت سابق أنّ ديفوس تعدُّ "الأقل كفاءة في حكومة قليلة الكفاءة، إلى حدٍ تاريخيٍ"، وذلك خلال جلسة سعى فيها الديموقراطيون لعرقلة تعيينها بالقاء خطابات متواصلة استمرت 24 ساعة.
أما أنصارها، فاكدوا أن وصول هذه الوزيرة الدخيلة على المسؤوليات الإدارية هو أفضل فرصة لإصلاح نظام تربوي يعاني من قصور ومتأخر على عدة أصعدة عن أنظمة دول متطورة أخرى.
والوزيرة المعينة هي زوجة الملياردير ديك ديفوس الذي أسس والده عام 1959 شركة "أمواي" للبيع المباشر والتي أصبحت لاحقا شركة متعددة الجنسيات. وهي ابنة إدغار برينس الذي أسس منظمة "فاميلي ريسيرتش كاونسيل" (مجلس الأبحاث العائلية) الدينية المحافظة عام 1983، وشقيقها إريك أنشأ شركة "بلاكووتر" الأمنية الخاصة التي استعان الجيش الأميركي سابقا بخدماتها في العراق.
وبيتسي ديفوس وزوجها من البروتستانت الملتزمين، وهما يتمتعان بنفوذ سياسي كبير في ولايتهما ميشيغان. ترشح زوجها لمنصب حاكم الولاية عام 2006 من غير أن يحالفه الحظ. وأصبحا لاحقا من كبار مقدمي الأموال للحزب الجمهوري في ميشيغان، فمولا الكثير من المرشحين ودفعا في الوقت نفسه مشروعهما لإصلاح النظام المدرسي. وتولت بيتسي ديفوس رئاسة الفرع المحلي للحزب الجمهوري.
وتشكّل ولاية ميشيغان مختبرا لإنشاء المدارس المعروفة بـ"مدارس التشارتر"، وهي مدارس خاصة مدعومة جزئيا من الدولة، تقدم للتلاميذ بحسب مؤيديها "خيارا" بديلا للمدارس العامة التي يحاربها المحافظون بسبب نفوذ النقابات فيها وعدم إمكانية تسريح المعلمين الذين يعتبرون سيئين. وعلى المستوى الوطني، أسست بيتسي ديفوس عام 2010 "جمعية الطفل الأميركية" بهدف مواكبة هذه الحركة من أجل "مدارس التشارتر".
وأثناء استجوابها في مجلس الشيوخ، رفضت الوزيرة المعيّنة رداً على سؤال ديموقراطية عضو في مجلس الشيوخ، بأن تتعهد بشكل واضح بـ"عدم خصخصة المدارس العامة ولا اقتطاع فلس واحد من ميزانية التربية العامة". وقالت: "ليست كل المدارس مفيدة للتلاميذ الذين يتم توجيههم إليها"، مشددة على عزمها إعطاء "خيار" للأهل، في تعبير يشير إلى المدارس الخاصة والدينية.
وليست وزارة التربية الأميركية بقوة ما هي عليه في الدول ذات المركزية الشديدة مثل فرنسا. ويبقى التعليم من صلاحيات الولايات والمدن، سواء بالنسبة للبرامج او لتوظيف المعلمين. غير أن وزير التربية يشرف على ميزانية سنوية قدرها 68 مليار دولار، وهو يسهر على تطبيق القوانين الفدرالية.
في غضون ذلك، فبعد أكثر من ثلاثة أسابيع على تنصيبه، لم تكتمل التعيينات في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والسبب الرئيسي هي العراقيل التي يضعها الديموقراطيون الذين ينتقدون فريق الرئيس الجديد.
ومنذ 20 كانون الثاني، يستخدم الديموقراطيون في مجلس الشيوخ كل الوسائل لتأخير تثبيت أعضاء إدارة ترامب: من المقاطعة، إلى طلب الحصول على معلومات إضافية، وتحديد مهل إجرائية، وكل وسائل المماطلة الممكنة... وتعتبر هذه العرقلة استثنائية ومخالفة للأعراف الأميركية، فيما تعكس حجم الارتياب الذي يثيره الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة.
وقد ثبت أعضاء مجلس الشيوخ، حتى يوم أمس، ثلاثة وزراء أساسيين (الدفاع، والأمن الداخلي، والخارجية)، وكذلك وزير النقل ووزيرة التربية، من أصل 15 وزيراً تمّت تسميتهم. وكان مجلس الشيوخ ثبّت 12 عضواً في إدارة باراك أوباما، في العام 2009، بعد مرور أسبوعين على تسلّمه الحكم، وجميع أعضاء إدارة جورج بوش الابن، في العام 2001.
وثبّت المجلس، أيضاً، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.اي.ايه)، والمندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، اللذين يصنّفان على المستوى نفسه من أعضاء الحكومة. وبالتالي، بات يرتفع إلى ستة فقط عدد كبار المسؤولين المثبتين في مناصبهم. لكن وزارات العدل والداخلية والزراعة والتجارة والعمل والطاقة، مازالت بلا وزراء، ويرأسها مسؤولون انتقاليون معظمهم من الإدارة السابقة. وأعرب ترامب عن استيائه في تغريدة على موقع "تويتر"، قائلاً: "فليخجلوا من أنفسهم! ثم يقولون إن لا شيء يعمل في واشنطن!".
وبعدما تسلّم ترامب مهامه، بدا واضحاً أن الديموقراطيين وضعوا لائحة بثمانية وزراء سيسعون إلى استهدافهم. ثم بدأوا العرقلة على الفور. وبرّر زعيم الديموقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، أبرز معارضي ترامب، ذلك بالقول: "لم أرَ من قبل إدارة تضم هذا العدد الكبير من رجال المصارف وأصحاب الثروات الطائلة، مع هذا التضارب الكبير في المصالح والخبرة القليلة في المجالات التي سيتسلمونها". ويعود السبب الرئيسي للانتقادات إلى وجود تضارب مصالح في تعيين الوزراء الأثرياء، لا سيما منهم أندرو بوزدر، رئيس مجلس إدارة شبكات مطاعم "كارلز جونيور" و"هارديز" للوجبات السريعة، والذي عُيّن في وزارة العمل. ويؤخذ على طوم برايس، أحد نواب جورجيا الذي عُيّن على رأس وزارة الصحة، أنه طرح في السنوات الأخيرة مشاريع قوانين رفعت في البورصة أسعار أسهم شركات الأدوية التي استثمر فيها شخصياً.
وكانت جلسات الاستماع البرلمانية مع برايس وبوزدر وآخرين متوترة. ومازال عدد من التعيينات مجمّداً على مستوى اللجان التي يتمتع فيها الديموقراطيون بالكلمة الفصل.
إلا ان الجمهوري جون كورنين، عقّب على ذلك بالقول: "يستطيعون فعلاً إبطاء تثبيت وزراء الرئيس ترامب. لكنهم لا يستطيعون وقفه".
(الأخبار، أ ف ب)