■ بوليكرونيو: منذ حوالى 40 عاماً، سادت أيديولوجيا وسياسات "السّوق الحرّة" الرأسماليّة في جزء واسع من العالم الصناعيّ المتقدّم. وكثير مما يُعتبر جزءاً من رأسمالية "السوق الحرّة" هي إجراءات صممتها وعززتها الدولة الرأسماليّة نيابة عن فئات رأس المال المسيطرة. فما هي الخرافات والأكاذيب الأخرى حول "الرأسماليّة القائمة بالفعل" التي تستحقّ الإشارة إليها؟


ها جون تشانغ: قال الكاتب الأميركيّ غور فيدال، مرّة مقولة شهيرة، مفادها بأنّ النظام الاقتصاديّ الأميركيّ عبارة عن "مشروع حرّ للفقراء، واشتراكيّة للأغنياء". أظنّ أنّ هذه المقولة تلخّص بشكل جيّد ما حصل لـ"رأسماليّة السوق الحرّة" في العقود القليلة الماضية خاصّة في الولايات المتحدة، لكن ليس فيها وحدها. حيث صار الأغنياء محميّين، على نحو متزايد، من قوى السوق، فيما صار الفقراء معرّضين لمخاطرها بصفة متزايدة.


صار لزاماً على
العمّال الانخراط في سباق نحو القاع

بالنسبة إلى الأغنياء، حملت العقود القليلة الماضية "إما ربحاً لهم، أو خسارة للفقراء". حيث وقّع كبار المديرين، خاصّة في الولايات المتحدة، على حزم مدفوعات مكّنتهم من مئات ملايين الدولارات كتعويض عن إخفاقاتهم ــ ومبالغ أكبر في كثير من الحالات مقابل قيامهم بعمل جيّد. وقد تمتّعت الشركات بدعم ماليّ على نطاق هائل بشروط مخفّفة ــ بطريقة مباشرة أحياناً وفي الأغلب بطرق غير مباشرة من خلال برامج شراءات حكوميّة (خاصّة في ما يخص الدفاع العسكريّ) وبأسعار مضخّمة وتكنولوجيا مجانيّة ناتجة عن برامج بحث مموّلة حكوميّاً. كما قدمت للمصارف بعد كلّ أزمة ماليّة، من أزمة البنوك التشيليّة عام 1982 إلى الأزمة الماليّة الآسيويّة عام 1997 وصولاً إلى الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008، كفالات بمئات تريليونات الدولارات من أموال دافعي الضرائب، ولم يسجن سوى حفنة من كبار رجال البنوك. وفي العقد الأخير، جرى الحفاظ في الدول الغنيّة على قدرة الطبقات المالكة للأصول، على دفع الديون من خلال نسب فائدة منخفضة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
في المقابل، كان الناس الفقراء عرضة لقوى السوق على نحو متزايد.
تحت شعار تدعيم "مرونة سوق العمل"، ازداد حرمان الفقراء من حقوقهم كعمّال. وبلغت هذه النزعة مستوى جديداً ببروز ما يُسمّى "اقتصاد العربة"، الذي يوظّف فيه العمال زيفاً بصفة "عاملين للحساب الخاصّ" (دون السيطرة على عملهم كما هو حال العامل الحقيقيّ للحساب الخاصّ) ويحرمون من حقوقهم الأكثر أساسيّة (مثل الإجازات المرضيّة والعطل مدفوعة الأجر). وبالحطّ من حقوقهم، صار لزاماً على العمّال الانخراط في سباق نحو القاع يتنافسون خلاله عن طريق قبول أجور وظروف عمل متدنيّة باستمرار.
أما في ما يخصّ الاستهلاك، فإن تنامي الخصخصة وتحرير الصناعات الخاصّة بالخدمات الأساسيّة التي يُعوّل عليها الفقراء أكثر من غيرهم، مثل ماء الشرب والكهرباء والنقل العموميّ والخدمات البريديّة والرعاية الصحيّة الأساسيّة والتعليم الأساسيّ، أدى إلى ازدياد غير متكافئ في خضوع استهلاكهم لمنطق السوق. وفي السنوات الأخيرة، منذ أزمة عام 2008 الماليّة، خُفّضت مستحقُات الرعاية الاجتماعيّة في الكثير من البلدان وأصبحت شروط الحصول عليها أقلّ سخاءً (مثل "اختبارات الكفاءة للعمل" للمعوّقين، التي تزداد صعوبة، والتدريب الإجباريّ على كتابة السيرة الذاتيّة للمتمتّعين بإعانات البطالة)، ما دفع بالمزيد من الناس الفقراء نحو أسواق عمل غير مؤهّلين للتنافس فيها.
وفي ما يخصّ الخرافات الأخرى حول الرأسماليّة، فإنّ أهمّها في رأيي هو خرافة وجود ميدان اقتصاديّ موضوعيّ يجب على السياسة عدم التدخّل فيه. فبقبولنا بوجود هذا الميدان الاقتصاديّ الحصريّ، كما فعل أغلب الناس، يجب علينا قبول سلطة الخبراء الاقتصاديّين، كناطقين باسم حقائق اقتصاديّة ما، كي يملوا علينا طريقة تسيير اقتصادنا.
غير أنّه لا توجد طريقة موضوعيّة لتعيين حدود الاقتصاد، ذلك أنّ السوق في حدّ ذاتها بناء سياسيّ، وهذا ما يظهر من خلال منع بيع وشراء بعض الأشياء في البلدان الغنيّة اليوم بعدما كانت في السابق تباع وتشترى بحريّة (على غرار "العبيد" وقوّة عمل الأطفال).
وفي المقابل، إذا سلّمنا بعدم وجود طريقة موضوعيّة لتعيين حدود الاقتصاد، فإنّ الناس حين يعترضون على إقحام المنطق السياسيّ في الاقتصاد، فإنّهم في الواقع يؤكدون أنّ نظرتهم "السياسيّة" حول ما ينتمي إلى ميدان السوق، هي الصائبة.
من الأهميّة بمكان أن ننبذ خرافة الحدود المحرّمة للاقتصاد، إذ هي تمثّل نقطة الانطلاق لتحدِّي الوضع القائم. فإذا قبلنا بتقليص دولة الرعاية الاجتماعيّة، سيتمّ إضعاف الحقوق العماليّة، ويجب علينا حينها القبول بإغلاق المصانع وما إلى ذلك بسبب منطق اقتصاديّ موضوعيّ ما (أي "قوى السوق"، كما يُسمّى غالباً)، وحينها يغدو من المستحيل عمليّاً تغيير الوضع القائم.

■ بوليكرونيو: صار التقشّف العقيدة السائدة في كافّة أرجاء أوروبّا، وهو يقع على رأس أجندة الجمهوريّين (في الولايات المتحدة). إذا كان التقشّف مبنيّاً على أكاذيب، فما هو هدفه الفعليّ؟
ها جون تشانغ: لقد كتب كثير من الناس ــ جوزيف ستيغليتز، بول كروغمان، مارك بليث ويانيس فاروفاكيس، وهذه بعض الأسماء البارزة ــ وقالوا إنّ التقشّف غير مُجْدٍ، خاصّة في خضمّ انكماش اقتصاديّ، وهي الحالة التي جُرّبت في العديد من البلدان النامية ضمن برامج إعادة الهيكلة تحت إشراف البنك العالميّ وصندوق النقد الدوليّ في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، ومؤخرّاً في اليونان وإسبانيا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبيّ.
يدفع الكثير من الساعين لتطبيق التقشّف إيمان صادق (رغم أنّه خاطئ) بجدواه، أما الحاملون لقدر كافٍ من الذكاء يسمح لهم بمعرفة مدى عدم جدواه، فهم يستخدمونه رغم ذلك لأنّه يمثّل طريقة جيّدة لتقليص دور الدولة، وبالتالي منح قوّة أكبر لقطاع الشركات، بما في ذلك الأجنبيّة، وتغيير طبيعة أنشطة الدولة لتغدو داعمة للشركات. وكمثال على ذلك، يجري في جميع الحالات تقريباً، التخلّي بداية عن الإنفاق على الرعاية الاجتماعيّة.
وبعبارة أخرى، فإنّ التقشّف طريقة جيّدة للدّفع بأجندة سياسيّة رجعيّة دون أن يبدو الأمر كذلك: تُصرّح بأنّك ستقلّص من الإنفاق لخلق توازن في الحسابات وتنظيمها، فيما أنت تطلق في الواقع هجوماً على الفقراء والطبقة العاملة. وهذا، على سبيل المثال، ما ادّعته حكومة التحالف بين المحافظين والديموقراطيّين الليبراليّين في المملكة المتّحدة حين أطلقت برنامج تقشّف صارم بعد وصولها إلى السلطة عام 2010، والحال أنّ الماليّة العموميّة في البلاد حينها لم تكن تحتاج إلى برنامج بذلك القدر من الصرامة، حتى بمعايير الاقتصاديّين الأرثوذكسيّين.