خلال زيارته الجزائر في 13 شباط/ فبراير الجاري، عرض المرشح للرئاسة الفرنسية إيمانويل ماكرون رؤيته للشراكة الاستراتيجية مع الجزائر وخطة عمله لتعزيز المشاريع المشتركة بين البلدين. وإذ كان حريصاً على عدم تكرار تصريحاته المثيرة للجدل التي أدلى بها في تشرين الثاني/ نوفمبر بشأن «محاسن الاستعمار» و«البربرية الإيجابية»، بدا ماكرون أكثر حذراً هذه المرة، متحدثاً عن ضرورة «عدم نكران الماضي، ولكن عدم التقوقع فيه أيضاً».


وقال إن «الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات».
وفي مزيج مذهل من النزعة النيوكولونيالية والإنسانوية، أكّد ماكرون أنّ «فرنسا عرّفت الجزائر إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكنها نسيت أن تقرأه». وفي محاولة ضعيفة للتخفيف من حدة تصريحه الأول عن «محاسن الاستعمار»، قال ماكرون إنّ «كلاً من فرنسا والجزائر عانتا من العنف».
وكما فعل الرؤساء الفرنسيون السابقون في مجيئهم إلى الجزائر لمحاولة التخلّص من لعنة الماضي الاستعماري وإعطاء دفع جديد للعلاقات بين البلدين، ينوي ماكرون ترجمة التعاون الفرنسي ــ الجزائري اقتصادياً وثقافياً بشكل ملموس. فالتوجه لا يزال نفسه من أيام فاليري جيسكار ديستان، الذي زار الجزائر عام 1975 لتقديم الوجه الجديد للحداثة الفرنسية، وصولاً إلى فرنسوا هولاند، الذي أتى عام 2012 للتخلص من عبء الماضي الاستعماري الذي يثقل كاهل جمهوريته، من دون تلاوة «فعل الندامة». وماكرون، وزير الاقتصاد الفرنسي السابق، لا يشذّ عن هذه القاعدة، إذ عبّر خلال زيارته عن رغبته في «المضي قدماً» وتحدث عن ضرورة «بناء مستقبل» عبر تكثيف التعاون «الميداني». وقد رسم ماكرون الخطوط العريضة لرؤيته هذه في حديث مع صحيفة «كل شيء عن الجزائر TSA» الإلكترونية.
على الصعيد الاقتصادي، أبدى ماكرون رغبة في «تنمية مجالات تعاون مشتركة بين فرنسا والجزائر تلحظ المسؤولية الاجتماعية ويساهم فيها البلدان»، مضيفاً إنه «يمكننا معاً غزو الأسواق الأوروبية والأفريقية، والأسواق العالمية بعد ذلك». ولكن يبدو أنّ ماكرون نسي أن السياق العام الدائم للعلاقات بين البلدين هو تبعية الجزائر بسبب الضعف البنيوي في اقتصادها. ففرنسا هي الشريك الاقتصادي الثاني للجزائر وهي تستحوذ على 10.5% من السوق، مباشرة خلف الصين التي تستحوذ على 12.4% منها، علماً بأن الصادرات الفرنسية إلى الجزائر تزداد باستمرار ويبلغ عدد الشركات الفرنسية في الجزائر نحو 500. في المقابل، فإن الشركات الجزائرية التي تصدّر منتجاتها إلى فرنسا قليلة جداً وهي تقع ضحية الإطار التشريعي الصارم الذي يعيق الاستثمار ويصعّب التجارة على الصعيد الدولي. كذلك، فإن قاعدة 49/51 في المئة الخاصة بالاستثمار الأجنبي في الجزائر، التي من المفترض أن تحمي مصالح البلاد والتي ذكرها ماكرون للمطالبة بـ«التبادل الضروري» لتأمين شراكة عادلة، لا تأثير لها فعلياً على أرض الواقع. ففي غياب التبادل التكنولوجي والسياسات التي توسّع المجالات التكنولوجية، يبقى الإنتاج الصناعي الجزائري محصوراً بوحدات التجميع. وبسبب افتقارها إلى الاقتصاد المتنوع، لا تصدّر الجزائر الكثير من المنتجات إذا استثنينا النفط والغاز، وهي تستورد الكثير في المقابل، بما في ذلك العناصر الضرورية لتشغيل قطاعها الصناعي الضعيف والذي يمثل أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأمام الضعف البنيوي للاقتصاد الجزائري الريعي والقليل الإنتاج والذي يستورد الكثير من المواد الغذائية، لا شك أن اقتراح الشراكة العادلة القائمة على التبادل الكامل يهدف إلى تأمين مصالح فرنسا بشكل أساسي. فهذه الشراكة التي يتحدث عنها ماكرون تعود لفرض هيمنة فرنسية بوجه جديد. ومن اللافت قوله إن «التحولات المراعية للبيئة في مجال الطاقة» تمثل «فرصة» لتحفيز عملية تنويع الاقتصاد الجزائري بمساعدة الشريك الفرنسي. ولكن في الواقع، وخلف ستار الاقتصاد المراعي للبيئة، تهدف فرنسا بشكل أساسي إلى تطوير التكنولوجيا «الخضراء» الجديدة وإلى الإبقاء على التبعية الجزائرية، لا بل إلى ترسيخها، على حساب المجتمع الجزائري. ونظراً إلى أن أساس الهيمنة الاقتصادية هو الهيمنة الثقافية، لم يتردد ماكرون في الدعوة إلى «تعزيز التعاون» بين فرنسا والجزائر في ميدان التعليم، مضيفاً إنه يمكن للبلدين أن «يعملا معاً لمصلحة الفرنكوفونية في أفريقيا، لأن الجزائر من أكبر الجهات الفاعلة في هذا المجال».
إنّ أزمة المدارس الجزائرية اليوم باتت حقيقة لا جدل فيها، تمنع سياسة التعريب، أحد مشاريع الثورة الجزائرية الأساسية، وتعيق استبدال الفرنسية كلغة مهيمنة في الدوائر الاقتصادية. وبسبب فشل التعليم باللغة العربية، بات إتقان الفرنسية عنصر تمييز في ممارسة الوظائف الاقتصادية. وفي هذا السياق، تهدف مساعي إعادة الشرعية إلى اللغة الفرنسية، التي يدعمها ماكرون وجزء من النخبة الجزائرية مثل نورية بن غبريط، إلى كسر هيمنة اللغة العربية وإفقادها شرعيتها الموروثة من المشروع السياسي للنضال نحو الاستقلال. وهؤلاء الذين يطالبون بإعادة اللغة الفرنسية إلى موقعها السابق وإلى الترويج للفرنكوفونية، مثل إيمانويل ماكرون، لم يتخطوا بعد الماضي الاستعماري الفرنسي وهم عاجزون عن التخلي عن رؤيتهم النيوكولونيالية في إدارتهم لمسألة المهاجرين الجزائريين في فرنسا. وبمعزل عن التصريحات المبدئية للمسؤولين، والتي يفرضها طموحهم السياسي في الجزائر، لا يبدو مستقبل العلاقات بين البلدين مشرقاً. فالجزائر، التي لطالما كانت حذرة في علاقاتها مع فرنسا والتي دافعت بشراسة عن مصالحها، لا يمكنها الانخراط في شراكة على قاعدة رابح ــ رابح إلا إذا أجرت إصلاحات بنيوية في اقتصادها. أما فرنسا، التي تسعى إلى إعادة مناخ الثقة وتبديد الشكوك الموروثة من الماضي الاستعماري المؤلم، فينبغي عليها تعلّم دروس الماضي وإجراء تغييرات عميقة في علاقاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية مع الجزائر.