يوم الأحد الماضي (12 شباط)، سجّل «الحزب الاشتراكي الديموقراطي» انتصاراً في ألمانيا، إثر انتخاب وزير الخارجية السابق المنتمي إليه، فرانك فالتر شتاينماير (61 عاماً)، رئيساً للبلاد. على أثر ذلك، انتقل الحزب إلى مرحلة جديدة من التحدي مع أنجيلا ميركل (حليفته في الائتلاف الحكومي منذ 11 عاماً)، تتمثل في السعي إلى تعزيز فرص فوز مرشحه مارتن شولتز (62 عاماً)، برئاسة المستشارية خلال الاستحقاق الانتخابي المقبل.


ويبرز شولتز الذي يريد مناصروه «جعل أوروبا عظيمة مجدداً»، منافساً جديّاً لميركل، وخاصة بعدما غادر منصب رئاسة البرلمان الأوروبي، وأعلن ترشحه للسباق على أعلى منصب تنفيذي في بلاده.
وبعدما كان «الحزب الاشتراكي الديموقراطي» الألماني في عداد الأموات، إذ تغيب عنه الحظوظ الفعلية للفوز بمنصب المستشارية، بدأت استطلاعات الرأي، الصادرة عقب اختيار شولتز لرئاسة الحزب نهاية كانون الثاني، بالتبدل والارتفاع. ووفق إحصاء صدر أمس عن «إنميد»، يتصدر الاشتراكيون الديموقراطيون المركز الأول في استطلاعات الرأي للمرة الأولى منذ عام 2006، بنسبة 33 في المئة، مقابل 32 في المئة لـ«الاتحاد المسيحي الديموقراطي». وفي 2 شباط الجاري، وضع مركز الاستطلاع «إنفراتست ديماب» الحزب في الطليعة بنسبة 28 في المئة، فيما منح استطلاع مركز «إينسا» الذي أجري في السادس من شباط، الاشتراكيين الديموقراطيين نسبة 29 في المئة. وإذا ما استمرت تلك الأرقام بالارتفاع، فإن حظوظ مارتن شولتز بالفوز ستكون كبيرة جداً، وقد تُمكّن النتائج «الاشتراكي الديموقراطي» (يسار وسط) من أن يحكم وحيداً، ما سينهي أكثر من عقد من حقبة الائتلاف الكبير الذي يقوده «المسيحي الديموقراطي» (يمين وسط)، والذي ارتبط إلى حد كبير باسم ميركل.
يعدُّ شولتز ضيفاً جديداً على الحياة السياسية الألمانية، لكن ميركل تستعد لخوض «الحملة الانتخابية الأصعب»، كما قالت. فهو في حين يُنتقد لخبرته القليلة في السياسة الألمانية، لكن هذا العامل نفسه يجعل منه وجهاً جديداً قد يدفع الناخبين إلى التصويت لـ«الاشتراكي الديموقراطي»، وخصوصاً أنه في العمق، لا يختلف في مواقفه كثيراً عن ميركل، إذ يؤيد إلى حد كبير سياسة «استقبال اللاجئين» والعقوبات على روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية. ولا يزال برنامج شولتز غير واضح، وفي قيد التحضير، ما يعني أن نسبة قبوله المرتفعة لا تتعلق بالضرورة بمضمون خططه المستقبلية، بل بكونه يعبّر عن حاجة محلية إلى تغيير الوجه المعتاد منذ عام 2005.

ترامب أوروبي؟


على المستوى الإقليمي، يُعدّ شولتز «العدو الأول للمشككين في الاتحاد الأوروبي»، وهو يعرف السياسة الإقليمية جيداً، وخاصة أنه تدرّج في مسيرته من كونه عمدة محلياً، إلى رئيس للبرلمان الأوروبي.
انتُخب منافس ميركل نائباً في ذلك البرلمان عام 1994، فقضى فيه 23 عاماً، خمس منها رئيساً لهذه المؤسسة، وذلك قبل أن يسلّم السلطة لزميله الإيطالي أنطونيو تاجاني بداية هذا العام.
بدأ حياته السياسية عمدةً لمدينة فورسلن (الغربية)، من عام 1987 حتى عام 1999. ترعرع في تلك المدينة، ولا يزال يعيش فيها، ويملك مكتبة مع أخته هناك. لا يحمل شولتز درجة جامعية، بل خرج من الثانوية في سنوات مراهقته بسبب إدمانه على الكحول، وبقي عاطلاً من العمل في بداية عشرينياته. لكن الطالب السيئ في الماضي انتسب إلى صفوف «الحزب الاشتراكي الديموقراطي» في السبعينيات، وبدأ نشاطه السياسي. بقي عضواً في مجلس الحزب التنفيذي ولجنته التنفيذية على مدى 18 عاماً، ما يجعله «أقدم الأعضاء خدمةً»، على حد تعبيره.
عدم امتلاكه درجة علمية عالية، على عكس ميركل التي تحمل دكتوراه في الكيمياء، لا يلغي حقيقة أنه يتكلم الفرنسية والإنكليزية بطلاقة، إضافة إلى لغات أوروبية أخرى، سهّلت عليه إثبات حضوره في المحافل والمؤتمرات الدولية.
جرأة شولتز كرئيس للبرلمان الأوروبي جعلت منه شخصية جدلية، مفضلة في البرامج الحوارية، إذ لا يخشى تجنب المواجهات الحادة، حتى في ما يرتبط بالسياسة الداخلية لبلاده، وبالتأكيد جعل منه ذلك شخصية أكثر جاذبية من سلفه في رئاسة الحزب، سيغمار غابرييل.
وعلى سبيل المثال، يتحدّث شولتز بوضوح عن موقفه إزاء «اليمين المتطرف»، ويقول في إحدى المقابلات: «أتَهم دائماً بأنني مندفع جداً، لكنك لن تصل إلى أي مكان مع اليمين المتطرف ما لم تستخدم حججاً واضحة».


قالت أنجيلا ميركل إنها
تستعد لخوض الحملة الانتخابية
الأصعب

أما عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فكان انتقاد شولتز لاذعاً. استهدف ترامب بشدة سياسة ميركل باستقبال «اللاجئين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في عام 2015، لكن المستشارة تجنبت الرد مباشرة، برغم قول الرئيس الأميركي إنّ سياستها «كارثية». ردُّ شولتز لم يكن بالدبلوماسية نفسها، بل قال إن «ما تبدأ به الحكومة الأميركية الآن هو صراع ثقافي»، وتابع في مقابلة مع مجلة «دير شبيغل»، الأسبوع الماضي، «علينا أن نسير بثقة في هذا الصراع، ونقول إننا نملك نموذجاً اجتماعياً مختلفاً».
لعلّ المثير (للسخرية) أن داعمي شولتز بدأوا حملة إلكترونية على بعض مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان «ميغا» أو MEGA وهي الأحرف الأولى من عبارة «Make Europe Great Again» أو «لجعل أوروبا عظيمة مجدداً»، تمثلاً بشعار ترامب «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً». إلا أنّ هذا الشعار لم يسلم من الانتقاد على المستوى الداخلي، فقد اعتبر وزير المالية الألماني، ولفغانغ شوبل، وهو عضو في «الاتحاد المسيحي الديموقراطي» (حزب ميركل) أن شولتز يشبه «ترامب، كلمة بكلمة» ويحاول أن يخلق موجة «شعبوية» كالتي ضربت البيت الأبيض.
خطابه الجريء وحداثة عهده في السياسة الألمانية يساهمان إذاً، على ما يبدو، في تعزيز عوامل جذب الناخبين الذين ابتعدوا عن التصويت لـ«الحزب الاشتراكي الديموقراطي»، أقدم حزب ألماني، منذ سنوات طويلة، وفي تقديم بديل جديّ من سيغمار غابرييل، مرشح «الاشتراكي الديموقراطي» السابق.
لكن كل ذلك لا يجعل من المعركة بمواجهة «الاتحاد المسيحي الديموقراطي» وشقيقه البافاري «حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي» اللذين وحدا قواهما قبل انتخابات أيلول، سهلة، لأن الحملة الحقيقية لم تبدأ بعد. ولا بد للأيام المقبلة من أن تحدد ما إذا كان بمقدور مارتن شولتز كسر سلسلة الانتكاسات التي تعرض لها الاشتراكيون الديموقراطيون، منذ نهاية عهد غيرهارد شرودر الذي سلم السلطة عام 2005 للمحافظين على خلفية تخفيضات الرعاية الاجتماعية التي أطلقها في عامي 2003 و2004، والتي لم تكن تحظى بالرضى الشعبي.