فيما تخوض تركيا مغامرات خلف الحدود، يعيش الداخل التركي تحت وطأة أجواء سياسية متوترة ترافق التحضيرات للاستفتاء الشعبي على التعديل الدستوري المرتقب في 16 نيسان المقبل. ففيما تروّج السلطة للاستحقاق بخطاب يؤطره تحالف إسلامي ــ قومي، تبدو المعارضة محاصرة لجهة سهولة اتهام أصواتها بـ«الإرهاب» ولجهة أنّ النقاش السياسي تخنقه حالة الطوارئ القائمة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز الماضي.


وبرغم حماسة السلطة، فإنّ استطلاعات الرأي تبيّن غموضاً في النتائج المتوقعة، بل تُظهر في بعض الأحيان تقارباً، وفق ما يقول رئيس مركز استطلاع «إي أند جي»، عادل غور، الذي يشرح في مقابلة أخيرة مع «حرييت»، أنّ نسبة 80 في المئة من المقترعين سيصوتون وفقاً لانتمائهم الحزبي، وسط وجود «حوالى 18 في المئة، لم يحددوا موقفهم بعد».
ويوضح غور أنه حتى تاريخ محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز، كانت الأصوات الرافضة للدستور تتقدم على الأصوات المؤيدة له. ويشير إلى أنه عقب تلك الليلة التي عاشتها تركيا، بدأت التوجهات السياسية المرتبطة بالاستحقاق الدستوري تتبدل، إذ لوحظ تصاعد في نسبة الـ«نعم» على حساب خيار الـ«لا». ويفسر عادل غور الأمر بارتفاع نسبة من يعتقدون بأنّ البلاد ستكون في حال أفضل «في ظل نظام رئاسي... يحارب المخططين للانقلاب والإرهابيين»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أنه عقب الانقلاب، ازدادت الثقة بالرئيس رجب طيب أردوغان لدرجة أنه بات «يحظى بدعم أكبر مما يحظى به العدالة والتنمية ومعسكر النعم».
وإلى جانب الخطاب السياسي الذي هيمن على تركيا عقب محاولة الانقلاب والقائم أساساً على هدف تقييد الخطاب المعارض للسلطة، فلعلّ السبب المباشر الذي يرفع من نسبة المؤيدين للتعديل الدستوري، هو أنّ «العدالة والتنمية» نجح في استقطاب «الحركة القومية» إلى جانبه في المعركة على تحويل النظام السياسي للبلاد إلى نظام رئاسي.

تحالف... برأسين

يمكن القول إن التعديل المطروح يندرج في سياق طويل من التغييرات التي أحدثها رجب طيب أردوغان، في البلاد منذ تسلمه السلطة قبل 14 عاماً، وهي فترة تمكّن خلالها من تعزيز سلطته، متدرجاً من رئيس للحكومة إلى رئيس للجمهورية، ومطلقاً «ثورة مضادة» داخلياً على الإرث الكمالي عبر «جعل الإسلام مركز السياسة التركية»، وفق ما يكتب الباحث سونر جاغايتاي.
وبعدما كان رئيس «الحركة القومية»، دفلت بهتشلي، من أبرز معارضي أردوغان ومن أبرز منتقدي التعديل الدستوري، تحوّل في الفترة الأخيرة إلى الداعم الأول له، وتمكّن بأصوات نواب حزبه من تأمين الأغلبية البرلمانية التي كان يحتاج إليها «العدالة والتنمية» لتمرير التعديلات قبل عرضها على الاستفتاء.


أظهر استطلاع أخير أنّ الثقة الشعبية برجب طيب إردوغان ارتفعت


وكرس الحزبان تحالفهما البرلماني بالاتفاق على القيام بحملة مشتركة للترويج للتعديل الدستوري. وهو تحالف يمثّل «جبهة وطنية ثالثة» تشكل جناحاً يمينياً في تركيا بزعامة أردوغان. وقد تعود جذور هكذا تحالف «إلى السبعينيات، عندما انضمت الاتجاهات التابعة لكل من الحزب الإسلامي للإنقاذ الوطني، ويمين وسط حزب العدالة وحزب الحركة القومية لتشكيل جبهة وطنية»، وفق الكاتب التركي مصطفى آكيول.
ويحتل «حزب الحركة القومية» المرتبة الثالثة شعبياً، بعد «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الشعب الجمهوري» المعارض للاستفتاء. وتشمل قاعدته الشعبية «مجموعة من المحافظين السنة في الأناضول، ويمكن القول إن الفرق الوحيد بين شعبية حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية هو أن هذا الأخير كان أكثر إصراراً على القومية العرقية التركية»، وفق آكيول.
أما سبب دعم بهتشلي في هذه الظروف لـ«العدالة والتنمية»، فقد يكون «رضاه وسروره عن الطريق الذي تسير به تركيا»، إذ «قد يكون بهتشلي في المعارضة، لكن أفكاره هي التي في الحكم»، وفق ما يعتبر الباحث في «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، أصلي أيدنتاسباس.
ويأتي ذلك خصوصاً من واقع أن «الحركة القومية» يكنّ عداوة لما يصنّفه بـ«حركة انفصالية كردية»، وهو متشدد في نظرته حيال «حزب العمال الكردستاني» المسلح. ولذلك، فإن خطوات «العدالة والتنمية» تجاه «العمال الكردستاني»، أي إيقاف «محادثات السلام» والتوجه نحو «الحل العسكري»، هو الحل الذي يفضله بهتشلي منذ سنوات.
وقد دان بهتشلي مراراً ما اعتبره «الخيانة العظمى» لـ«العدالة والتنمية»، إذ كان يعتقد أنه يحب القضاء على هؤلاء «الإرهابيين» بدلاً من التفاوض معهم. وفي المقابل، كان أردوغان ينتقد دائماً موقف زعيم هذا الحزب، معتبراً أنه مبني على أحكام عنصرية وزائفة.

لا يمكن قول «لا»!

عوامل عدة تقلل من نزاهة الاستفتاء المرتقب. فكما أثّر الانقلاب، إضافة إلى الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها تركيا، والظرف الإقليمي خاصة، على الرأي العام لناحية تأجيج المشاعر القومية، قد تؤثر المعادلة التي يروّج لها مناصرو التعديل في هذا السياق. رئيس الحكومة وبعض وزرائه، أعلنوا أن «قول لا (على الاستفتاء)، هو ما قد يقوم به الإرهابيون»، فيما قال أردوغان صراحة: «إنّ 16 نيسان سيكون رداً على 15 تموز، ومن يقولون لا، يأخذون طرفاً مع 15 تموز».
لابد أنّ تخلق هكذا معادلات ضغطاً إضافياً على الرأي العام، خاصة أنّها تُترجم عملياً بسياسات قمعية ضد الأصوات المعارضة للتعديل الدستوري، والتي تتمثل أساساً بـ«حزب الشعب الجمهوري» و«حزب الشعوب الديموقراطي»، إضافة طبعاً إلى بعض الأصوات في داخل «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية».
على سبيل المثال، فإنّ أحد أوجه السياسات القمعية، منع نشر مقابلة قامت بها صحيفة «حرييت» مع الروائي الحائز جائزة نوبل للآداب، أورهان باموك، وذلك لقوله في المقابلة إنه سيصوت ضد التعديل الدستوري. المقابلة التي أجراها باموك مع مراسل الصحيفة الجديد في واشنطن، جانسو كاليمبل، كان من المفترض أن تنشر في 13 شباط الجاري، وفق ما أكد باموك لمجموعة حقوقية تركية: «لقد قلت إنني سأصوت لا، وشرحت الأسباب. للأسف... في النهاية لم تنشر المقابلة».
ووفق تقرير في «آل مونيتور»، فإن مقدم الأخبار في قناة «كانال دي»، عرفان دييرمانجي، قد طرد منذ أسبوعين بعد إعلانه أنه سيصوت ضد التعديل الدستوري. وقالت القناة إن سبب الطرد هو خرق دييرمانجي «لمبدأ الحياد».
تلك التصرفات دفعت «كاتباً صحافياً تركياً شهيراً» إلى التساؤل «عمن سيكون التالي»، في حديث إلى «آل مونيتور»، من دون أن يُذكر اسمه خوفاً من التداعيات. وأضاف أن «المناخ» في البلاد «خانق تماماً... لا أشعر أنني أريد الكتابة بعد اليوم. وما الهدف من الكتابة على أي حال؟ سيفوزون بالاستفتاء بأي وسيلة».
وبالنسبة إلى الكاتبة والباحثة التركية، بينار ترامبلاي، فإن قول «لا» سيكون له ثمن مرتفع بالنسبة «إلى الأتراك العاديين» في ظل «تراكم الضغوطات» مع اقتراب الاستحقاق. وأشارت الكاتبة في هذا السياق إلى انتشار صورة على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر بياناً رسمياً موقعاً من رئيس الوزراء بن علي يلدريم، جاء فيه أن استخدام كلمة «مبارك» أو «hayirli» باللغة التركية لم يعد مسموحاً به لاقتراب لفظها من كلمة «لا» أو «hayir» بالتركية، وذلك على الرغم من نفي الحكومة لصحة هذا البيان الذي رجحت ترامبلاي أن يكون ملفقاً من قبل مناصرين لـ «العدالة والتنمية». يضاف إلى ذلك تجريد المجلس الانتخابي الأعلى من بعض صلاحياته التي تضبط العملية الانتخابية تحت حالة الطوارئ، مثل القدرة على معاقبة القنوات التلفزيونية أو الإذاعية في حال منحها وقتاً أطول لأحد المتنافسين أو إذا ما أبدت انحيازاً لطرف دون آخر.

صحافي تركي: ما الهدف من الكتابة؟ سيفوزون بالاستفتاء بأي وسيلة


كل ذلك لا يلغي وجود انقسامات داخلية داخل معسكر «نعم»، فقبل يومين، هاجم رئيس «الحركة القومية»، دفلت بهتشلي، أصواتاً داخل حزبه تعترض على دعم معسكر «نعم» في الاستفتاء. وقد أطلق هؤلاء قبل أيام، حملة «القوميون الأتراك يقولون لا»، يقودها نواب حاليون وسابقون، وبعض من القادة السابقين لـ«تنظيم الذئاب الرمادية» أو«الشباب المثالي» اليمينية المتطرفة (قال هؤلاء بعد مطالعتهم للتعديلات إنها لن تؤمن الاستقرار ولن تنهي الإرهاب، فالسبب الحقيقي لعدم الاستقرار هو من هم في السلطة منذ 14 عاماً ــ العدالة والتنمية).
عامل آخر يزيد من الشكوك التي تحيط بالاستفتاء وهي الأجواء التي تمت بها كتابة الدستور، فقد صوت النواب الأتراك، على دورتين وخلال أسبوعين فقط، لصالح تعديلات كتبت مسودتها بعيداً عن «القواعد الديموقراطية»، إذ حضّر «العدالة والتنمية» المسودة تحت رقابة مستشارين للرئاسة، ومن دون أن يعرض الأمر للحوار أو للنقاش العام. كذلك، فإن «اللمسات الأخيرة» على التعديل تمت خلف الأبواب المغلقة في اجتماعات مع «الحركة القومية»، وفق ما كتب الباحث والأكاديمي التركي، علي بيرم أوغلو. وتابع أن النقاش على صعيد البرلمان لم يكن ذا معنى لأن الحزبين، «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية»، قد دفعا نحو إقرار التعديل بالأغلبية، وسط شجارات وانتهاكات للقواعد الإجرائية.
ولعلّ إضفاء أردوغان ومعسكره أهمية كبرى على الاستفتاء، واعتباره خطوة أساسية للانتقال نحو نظام سياسي مثالي يخدم تركيا التي يريدونها، سيجعل الخسارة أمام معسكر «لا» مدوية، وربما نهاية لحياة أردوغان السياسية، برغم أنّ احتمالات الخسارة ضئيلة.




فيلم عن حياة «المنقذ»!


فيلم «القائد» أو «الريّس»، هو سيرة ذاتية عن رجب طيب إردوغان، يبدأ عرضه في تركيا في 3 آذار المقبل، أي قبل أسابيع فقط من موعد الاستفتاء. ويشكل هذا الفيلم المنتج من قبل «أكاديمية كافكاسور للأفلام» التي لم تنتج أي عمل آخر، وبميزانية ضخمة تصل إلى 8 ملايين دولار، أداة بروباغندا أكثر مما هي سيرة ذاتية لسياسي، وفق الكاتب مصطفى آكيول.
يعرض الفيلم حياة إردوغان، ولكن أيضاً تاريخ الجمهورية التركية، إذ يركز على قرار منع الأذان باللغة العربية في عام 1932 حتى عام 1950. ويُظهر بطريقة «خرافية» إصرار حفيد إمام مسجد منعه الجيش من قول الصلاة بالعربية، على متابعة التلاوة القرآنية. وفي مشهد آخر، يستعرض الفيلم هجوم الجيش على منزل ذلك الطفل في عام 1961 بعدما أصبح «إسلامياً تقياً وذا قضية». في تلك الأثناء، يراقب الجار الصغير، وهو إردوغان، اعتقال جاره الشاب، وبنظرة «حكيمة» يردد جملة شعرية: «يا رب، لا تترك هذه الأمة من دون بطل»!
من هنا، يبدو كأن حكمة الفيلم الذي وعد منتجه بجزءين آخرين منه، تكمن في أن هذا «البطل» المنتظر من قبل المحافظين الإسلاميين، هو إردوغان، المنقذ المنتظر للأمة التركية. ويظهر في الفيلم أيضاً اعتقال قصير الأمد لإردوغان عام 1998 من قبل «نظام علماني عسكري»، ما يقدم الرسالة نفسها: «الشعب الأناضولي الطيب والمتدين هزم المؤسسة العلمانية القاسية بفضل شجاعة الريّس إردوغان».