دراغان بلافسيتش*

من الصعب تصديق الأحداث الأخيرة في رومانيا. ففي 12 كانون الثاني، اقترحت حكومة الحزب الديموقراطي الاجتماعي (المنتخب حديثاً) والمنصّبة منذ أسبوعين فحسب، مسوّدة "مرسوم طوارئ" يسقط بأثر رجعيّ صفة الجريمة ويخفف الأحكام عن مجرمين مدانين.

الهدف المعلن وراء ذلك هو معالجة الاكتظاظ في السجون وتجنّب عقوبات الاتحاد الأوروبي. أما الهدف الحقيقي، فهو الصفح عن مجموعة كبيرة من السياسيّين الموالين للحزب الديموقراطي الاجتماعي وموظفين عموميّين يواجهون المحاكمة من أجل جرائم مثل الفساد الوظيفي (الذي صار لا يمثل جريمة للمبالغ التي لا تتجاوز 48 ألف دولار) من بين مجموعة أشخاص آخرين (سيعفى عن من لا تتجاوز عقوبته خمس سنوات سجناً).
وما زاد الطين بلّة، أنّ مسوّدة المرسوم الحكومي موجهة لخدمة أغراض ذاتيّة ولأسباب غير خافية. فقد أدرك الرومانيّون بسرعة أنّ المستفيد الأساسيّ منها هو زعيم الحزب الديموقراطي الاجتماعي، ليفيو دراغنيا.
يواجه دراغنيا، المتّهم بالاستيلاء على أموال الدولة بما قدره 25 ألف دولار (وهو أقل من سقف الـ48 ألفاً)، عقوبة بالسجن لسنتين مع وقف التنفيذ من أجل تهمة أخرى هي التزوير في الانتخابات (وهي فترة أقل من سقف الـ5 سنوات). وقد حرمته تلك الإدانة من أن يكون رئيس وزراء (وقد عُين مكانه حليف أشبه بدمية في يده)، لكن مسودة المرسوم وفرت له فرصة لـ"تلميع" اسمه وتحقيق طموحاته الحكوميّة التي لا تغيب عن حديثه.

المظاهرات الحاشدة


لم تحشد المظاهرات في 18 كانون الثاني سوى ألفي شخص. لكن بعد أربعة أيام، نزل ثلاثون ألفاً إلى الشوارع، والتحق بهم كلّ من الرئيس الروماني كلاوس يوهانيس، وزعيم الحزب الوطني الليبرالي، وهما يمثلان وسط اليمين في المعارضة الرئيسيّة، في مسعى يائس للاستفادة من موجة السخط. فقد فشل الوطنيّون الليبراليّون في انتخابات كانون الأوّل 2016، إذ لم يحصلوا إلّا على 20 % من الأصوات، فيما حصل الحزب الديموقراطي الاجتماعي على 45 %. وفي 29 كانون الثاني، ومع موجود مؤشّرات ضعيفة على نيّة الحكومة سحب مسوّدة المرسوم، تضاعف عدد المتظاهرين ثلاث مرات ليبلغ 90 ألف متظاهر.
ثم، وفي العاشرة من مساء يوم 31 كانون الثاني، وفي حركة ازدراء مذهلة للرأي العامّ، أعلنت الحكومة عن تمريرها "مرسوم الطوارئ" ليصبح قانوناً يطبّق في غضون أيّام.
وفي اللية الموالية، تجمهر 300 ألف شخص، وفي يوم 5 شباط، أي بعد يوم من إلغاء الحكومة للمرسوم وإشارتها أنها ستسعى للحصول على موافقة برلمانيّة على بعض مقترحاته الأصليّة، تدفّق أكثر من نصف مليون شخص غاضب في شوارع بوخارست مطالبين باستقالة الحكومة. وبعد أربعة أيّام، قدّمت الحكومة وزير العدل ككبش فداء، فأعلن استقالته. لكن الاحتجاجات لم تتوقّف، وتجمّع 50 ألف متظاهر مرّة أخرى نهاية الأسبوع الماضي.
هذه حقائق مجرّدة، لكنّها تخفي أكاذيب كثيرة. فالفاعلون الثلاثة الرئيسيّون في هذه القصة ــ الحزب الديموقراطي الاجتماعي، وسط اليمين، وجمهرة الرومانيّين ــ ينخرطون في صراع مع الديناميكيّة التي تسيّرهم جميعاً. لكن فهم تلك الديناميكيّة غير ممكن دون وضعها في السياق الأوسع للعلاقات مع وبين الاتّحاد الأوروبّي والولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا.

انتقال فاسد

في رومانيا، كما في البلقان بصفة عامّة، يسود شكل فاسد من الرأسماليّة، يعتمد إلى حدّ كبير على العلاقات النفعيّة بين رجال أعمال نافذين وبيروقراطيّة الدولة وسياسيّين.
فالحزب الديموقراطي الاجتماعي، وهو الحزب الشيوعي الحاكم سابقاً، هو حزب رأسماليّة المحسوبيّة بامتياز. وقد لعب دوراً محوريّاً في إدارة الانتقال من الاقتصاد الدولانيّ (في إشارة إلى سيطرة الدولة) لحقبة الحرب الباردة إلى اقتصاد الخصخصة النيوليبراليّ الحالي، مع ضمان امتياز ماليّ لنفسه ولحلفائه. وبذلك يظلّ يلعب وبكلّ وقاحة دور العرّاب الرئيسي في الزواج العرفي بين رجال الأعمال والبيروقراطيّين. وباختصار، فإنّ الحزب الديموقراطي الاجتماعي هو الحزب الرئيسي للطبقة المسيطرة في رومانيا.
لا غرابة إذن في أن يكون الحزب، والسائرون في ركابه، منخرطين بقوّة في الفساد. ومنذ عام 2003، أدينت كوكبة من محافظي المناطق والبرلمانيّين والقضاة والمدّعين العامّين ورجال الأعمال والوزراء السابقين ورئيس وزراء منتم للحزب، بتهمة إساءة استخدام السلطة.
وعلاوة على ما سبق، أدّت مظاهرات اندلعت في عام 2015 إلى إسقاط آخر حكومة للحزب الديموقراطي الاجتماعي واستقالة رئيس وزرائه، فيكتور بونتا، بعد مقتل 64 شاباً رومانياً في حريق بملهى ليليّ سببه تغاضي مسؤولين مرتشين عن إجراءات السلامة. وفي الصيف الماضي، اتُهم بونتا بتقديم مقعد في البرلمان لأحد أقطاب البرلمان، وهو من أثرى أثرياء رومانيا وعضو قائد في الحزب، مقابل 250 ألف دولار استخدمت لتغطية مصاريف زيارة ــ من بين الخلق قاطبة ــ لتوني بلير.
ومع ذلك، وبرغم ما سبق، يوجد لغز محيّر بخصوص تصدّر الحزب الديموقراطي الاجتماعي انتخابات كانون الأوّل عام 2016. ودون المغالاة في حجم انتصاره، إذ لم تتجاوز نسبة التصويت 40 %، فإنّه يظلّ مقياساً للشعور الشعبيّ. فكيف يمكن تفسير ذلك؟
هنا، يلعب السياق دوراً حاسماً، إذ كانت إجراءات التقشّف المفروضة على رومانيا بعد أزمة 2008 من بين الأشدّ في أوروبّا. وبناء على هذه الخلفيّة، سعى الحزب الديموقراطي الاجتماعي لحشد ولاء قاعدته من العمّال المفقّرين في المدن والفلاحين في الريف، من خلال منح مساعدة محدودة زمن الانتخابات في شكل زيادة في الأجور، ورفع مرتّبات التقاعد، وخفض الضريبة على القيمة المضافة.
ولم يكن للمسألة أيّ علاقة بالمبادئ، بل كانت مجرّد حسابات انتخابيّة. لكنّها كانت رغم ذلك، في نظر الكثيرين، أحسن من لا شيء، والأسباب مفهومة، وليس أقلها أنّ الخصوم الأساسيّين للحزب هم أحزاب وسط اليمين الذين قادوا برنامج التقشف القاتل رديء السمعة، وهو ما جعلها تدفع ثمناً سياسيّاً باهظاً نتيجة لذلك.

كلفة التقشّف

على عكس الحزب الديموقراطي الاجتماعي، كان يمين الوسط في السياسة الرومانيّة مقارنة به، قوّة سياسيّة غير مستقرّة تتّسم بتعدّد الأحزاب وعدم ثبات الولاءات، والانقسامات، والتحالفات، بما في ذلك حكومة الائتلاف مع الحزب الديموقراطي الاجتماعي في بعض الحالات.
ومع ذلك، كان وسط اليمين يتّخذ من حين إلى آخر شكلاً سياسيّاً أكثر تماسكاً، وتمثّل حكومة الائتلاف الوطني مع الحزب الديموقراطي الاجتماعي إحدى تلك الحالات. فبعد سنة واحدة، أخذ الحزب الديموقراطي الاجتماعي موقعاً في المعارضة، لكن تحالف وسط اليمين بدعم من الرئيس، تبنّى مجموعة من إجراءات التقشّف الساحقة، حيث تمّ تخفيض الأجور بنسبة 25 % واستحقاقات الضمان الاجتماعي بنسبة 15 %؛ فيما تمّ رفع الضريبة على القيمة المضافة من 19 إلى 24 %.
ومن بين جملة وظائف القطاع العام التي وقع التخلي عنها في أوروبّا عام 2010، كان 21 % منها في رومانيا، التي لا يتجاوز عدد سكانها 20 مليون نسمة.
أمّا القطرة التي أفاضت الكأس، فكانت محاولة الحكومة إصلاح قطاع الصحّة عبر خصخصة المستشفيات العموميّة. حيث اندلعت في بداية عام 2012 مظاهرات في عدّة مدن على امتداد رومانيا، وشهدت بوخارست أحداث عنف، ما أدّى في نهاية المطاف إلى سقوط الحكومة واستقالة رئيسها.
ومن حينها، لم يتعاف وسط اليمين تماماً. فرغم مرور سنة كاملة على حكومة التكنوقراط غير المنتخبة، التي قادها مفوّض الاتحاد الأوروبي السابق لشؤون الزراعة بتعيين من الرئيس الحالي كلاوس يوهانيس عام 2015 في أعقاب الأزمة السياسية الناتجة عن الرعب القاتل لحريق الملهى الليلي، فإنّ الدعم الذي قدّمه لتلك الحكومة لم يساهم في شيء في إحياء حظوظه السياسيّة. وقد ارتكز أغلب وسط اليمين اليوم، وهو حزب الوطنيّين الليبراليّين، في انتخابات كانون الأول عام 2016 إلى برنامج عمل يواصل نفس السياسة الاقتصادية للتكنوقراط، ومُني بهزيمة مدويّة.

*ترجمة بتصرف عن موقع مجلة "جاكوبين"