توحّد المحافظون الأميركيون تحت مظلة الرئيس دونالد ترامب، وكان ذلك ظاهراً في مؤتمرهم السنوي الذي بدأ أول من أمس، والذي تنظمه منظمة "بوليتيكال أكشن كونفرنس" قرب واشنطن، حيث تغاضوا عن خلافاتهم معه، ولا سيما بعدما أرضتهم خطواته الأولى في الحكم.


وأتى خطاب ترامب، أمام هذا المؤتمر ليزيد من رضاهم عليه، فقد زخر بالمشاعر الوطنية، وبالدفاع عن سياسته تحت شعار "أميركا أولاً". وأعلن ترامب أنه سيتقدم بطلب شامل للميزانية، من أجل واحد من "أكبر التعزيزات للجيش في التاريخ الأميركي". كذلك ركّز على وعود بزيادة النمو الاقتصادي. وشدد على "إبقاء الإرهاب الإسلامي المتشدّد خارج بلادنا". وقال: "لن نتراجع عن هذا المنهج (الأمر التنفيذي)، وفي غضون أيام سنقوم بعمل جديد لحماية شعبنا والمحافظة على سلامة أميركا، وسترون هذا العمل". وأردف: "لن أعتذر على الإطلاق عن حماية سلامة الشعب الأميركي وأمنه، لن أفعل ذلك".
وكال ترامب الانتقادات لمن وصفهم بمتعهدي "الأخبار الكاذبة"، ساعياً في الوقت ذاته إلى توضيح تغريدة كتبها، أخيراً، على موقع "تويتر"، قال فيها إنَّ بعض من يعملون في وسائل الإعلام الأميركية، يجب أن يُعَدّوا "أعداءً للشعب". وفي هذا السياق، قال: "أنا ضد من يختلقون الأخبار والمصادر. يجب ألّا يسمح لهم باستخدام مصادر إلا إذا استخدموا اسم الشخص. لينشروا الأسماء".
وقبل كلمة أمام الكونغرس الأميركي، الثلاثاء المقبل، حدّد ترامب الخطوط العريضة لخططه لتعزيز الجيش الأميركي، بالإضافة إلى مبادرات أخرى، من دون أن يذكر تفاصيل كثيرة عنها. وأشار إلى أنه سيسعى إلى تحديث القدرات الهجومية والدفاعية للجيش، بصورة كبيرة، مضيفاً أنه سيتقدم بطلب ضخم للإنفاق العسكري ليجعل دفاع البلاد "أكبر وأفضل وأقوى من أي وقت مضى". وقال: "نأمل ألّا نضطر إلى استخدامه أبداً، لكن لن يستطيع أحد أن يعبث معنا. لا أحد. سيكون هذا واحداً من أعظم التعزيزات للجيش في التاريخ الأميركي".
وتحدث الرئيس الأميركي عن برامج الرعاية الاجتماعية، ووعد بتنفيذ تعهّده ببناء جدار على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وسط تصفيق الحضور الضخم من المحافظين الذين اعتمر بعضهم قبعات حملت شعار حملة ترامب "اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً".
وكان المؤتمر فرصة ليعرب عدد من الشخصيات المحافظة المعروفة، عن رضاه على أداء ترامب. ومن هؤلاء، خصمه السابق، سناتور تكساس المحافظ المتشدد تيد كروز، الذي قال إن "2017 سيكون عاماً تاريخياً"، متوقعاً أن يكون الكونغرس الحالي الأكثر إنتاجاً، منذ عقود.
وشكل موقع "برايتبارت" الإخباري المناهض لطبقة الحكم، راعياً رسمياً للمؤتمر، فيما شارك صحافيوه بكثافة في ندواته. وألقى المدير السابق للموقع ستيفن بانون، الذي يتولى منصب المستشار الاستراتيجي النافذ لدى الرئيس الأميركي كلمة، أمام المؤتمر. وأثنى على التفاف المحافظين حول الرئيس الجديد، معلناً ولادة "قومية اقتصادية" جديدة في الولايات المتحدة. وقال بانون إنَّ "نظاماً سياسياً جديداً ينبثق". وأضاف: "سواء أكنتم شعبويين أم ليبرتاريين أم قوميين اقتصاديين، لدينا آراء واسعة ومتباعدة أحياناً، لكن جوهر قناعاتنا هو أننا أمة قبل أي شيء آخر، وليس اقتصاداً مندرجاً ضمن الاقتصاد العالمي بحدود مفتوحة". وأكد بانون "أننا ثقافة وسبب وجود، وأعتقد أن هذا ما يوحدنا". كذلك توقع أن "يكون كل يوم معركة" فيما يطبق الرئيس أجندته.
كذلك، ردّت مستشارة ترامب كيليان كونواي، التي كانت مديرة حملته وتحظى بشعبية كبيرة لدى الناشطين، على سؤال بشأن نفوذ ترامب داخل التيار المحافظ، ممازحة بأنَّ المؤتمر من أجل العمل السياسي المحافظ "سي ــ باك"، "سيغير اسمه غداً إلى تي ــ باك". وأضافت أمام آلاف الأنصار، أن ترامب تمكن من إضفاء "دينامية" على "حركة متصلبة بعض الشيء" وضاعف التعبئة في صفوفها. وامتلأت أروقة المؤتمر السنوي بمشاركين، بدأوا يتكيّفون مع رئاسة هذا الملياردير، الذي لطالما التزموا الحذر إزاءه. فالجميع يذكر أن رجل الأعمال ترامب دعم الديموقراطيين في السابق، خصوصاً هيلاري كلينتون التي نافسته لاحقاً في عام 2016. لكن ارتياح الجمهوريين لانتصار ترامب على كلينتون، ما زال في الوقت الحاضر يطغى على أي تحفظات قد يبدونها حيال الفوضى التي عمّت، الأسابيع الأولى من ولايته في البيت الأبيض، وتأخر الإصلاحات الكبرى الموعودة، ولا سيما إلغاء إصلاح الضمان الصحي الذي أقرّه الرئيس السابق باراك أوباما، وإصلاح النظام الضريبي.
وكان تيار المحافظين قد استند، منذ بروزه في عام 1960، إلى ثلاثة أعمدة، أولها مراعاة التقاليد في المسائل الاجتماعية ــ كالعائلة والإجهاض والأسلحة الفردية ــ وثانيها الليبرالية المناصرة للسوق والحدّ من دور الدولة، وثالثها سياسة دفاع شرسة. وفي غالبية هذه الملفات، قام ترامب بانعطافة إلى اليمين في أثناء الحملة الرئاسية، لكنه ما زال يدافع عن برنامج الأشغال العامة الضخم، فيما يثير خطابه الانعزالي والحمائي نفور جزء من معسكره. وتدريجاً، هيمن الجناح الشعبوي القومي واليميني المتشدد، الذي جسده بداية أعضاء "حزب الشاي" ثم أخيراً أنصار ترامب، على هذا المحفل الكبير الذي اعتاد منذ فترة غير بعيدة حصول مواجهات بين "المسيحيين المحافظين" والليبرتاريين (أنصار حرية الفرد بالنسبة إلى الدولة).
لكن قادة التيار المحافظ لا يسعهم دائماً، أن ينأوا بأنفسهم عن حركة اليمين المتطرّف، التي تعرف بتسمية "اليمين البديل" (ألت-رايت) وأعضائها.


أعلن بانون ولادة "قومية اقتصادية" جديدة في الولايات المتحدة
وأثار حضور ريتشارد سبنسر أحد قادة تيار سيادة البيض، كمشارك عادي، بلبلة خارج القاعة. وعلى بعد أمتار منه، قال رئيس اتحاد المحافظين الأميركيين، الذي ينظم المؤتمر، مات شلاب "أفضّل ألا يكون هنا"، مضيفاً للصحافيين أنه "ربما عليكم عدم إيلائه الكثير من الاهتمام". وعلى المنصة، ندد مدير الاتحاد نفسه دان شنايدر، في خطابه، بهذا "اليمين البديل"، معتبراً أنه يضم "فاشيين يساريين"، معادين للسامية وعنصريين ومعادين للنساء.
وفي قاعة المعارض، شاركت للمرة الأولى كتلة "أوروبا الأمم والحريات" في البرلمان الأوروبي، في جناح عرضت فيه فيلماً حول رئيسة حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسي اليميني المتطرف مارين لوبن.
وكان من بين المشاركين في المؤتمر، الزعيم السابق لحزب "يوكيب" البريطاني نايجل فاراج، الذي أعلن أن الانتصارين المتمثلين بقرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة ليسا سوى بداية ثورة على "أنصار العولمة". وهتف فاراج من على المنصة، بعيد وصول ترامب إلى هذا التجمع، "2016، لقد فعلناها!". وقال فاراج، الذي كان أحد الداعمين الرئيسيين لحملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حزيران الماضي: "عندما تدرس الأجيال اللاحقة تاريخ هذه الفترة، سيكون هناك عام بارز، وهذا العام هو 2016". واذ تحدث عن الاستحقاقات الانتخابية في هولندا وفرنسا وألمانيا، وربما في إيطاليا، أصر فاراج على أن 2016 لم يكن سوى "بداية لثورة عالمية كبيرة ستصل إلى بقية العالم الغربي". ورأى أن الانتخابات في تلك البلدان عام 2017، "ستحوّل مركز الثقل في النقاش بكامله"، من دون أن يذكر مارين لوبن بالاسم، مندداً بـ"أنصار العولمة"، وهو مصطلح كان أيضاً جزءاً من مفردات ترامب.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)