قد تكون فرضية إسقاط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو دفعه إلى التنحّي، مجرّد فرضية نظرية. إلا أن الأجواء والمؤشرات الواردة من الولايات المتحدة ومن خارجها، هي في أقل تقدير، تضع هذه الفرضية على أسس غير خيالية.


قبل أن ينهي ترامب أيامه المئة في البيت الأبيض، أوجد وواجه أزمات مع البنية الدستورية المؤسساتية والاقتصادية والأمنية ودائرة السياسة الخارجية والقضاء ووسائل الإعلام... ولا جدال في أنها أزمات لا تشبه ما سبقها في إدارات أميركية مضت. ومن غير المعلوم إن كانت ستصل إلى نتيجة شبيهة بما حصل للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، أو ستنتهي مع تطويع الرئيس الجديد. المؤكد أنها أزمة، كما يبدو، غير قابلة للاستمرار بلا نتائج.
توصيف صحيفة "واشنطن بوست" لإدارة الرئيس ترامب بمرض السرطان، يلخّص موقف أكثر من نصف الأميركيين، كما تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة، وأيضاً موقف معظم النخب والمؤسسات في الولايات المتحدة. لكن هل يكون الحكم بالإعدام، أم أن هذا المرض يمكن السيطرة عليه بفضل ترسانة من العلاجات المتوافرة؟
إسرائيل، الحليفة الأولى للولايات المتحدة، تتابع كل ما يجري في واشنطن وتبحث عن أي إشارة دالّة على تغيير مقبل؛ تغيير لا تقتصر تداعياته على مصالح إسرائيلية وحسب، بل على مجمل بنيتها ووجودها واستمرارها، خاصة أن أصل بقائها مرتبط بأميركا. لذلك، قد تكون إسرائيل أكثر بحثاً وحساسية وتأثراً بما يجري في أميركا، من الأميركيين أنفسهم.
تقرير خاص لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، يوم الجمعة الماضي، الذي لم يجد متنفساً له في الإعلام العربي، سلّط الضوء على خفايا وأحداث مؤتمر ميونخ الأخير ودلالاته. لا يتحدث التقرير عن الكلمات التي ألقيت، بل عن بيئة المؤتمر وأجواء الوفود واهتماماتها، وتحديداً الاستخبارية منها، وعن الأسئلة التي حملتها أجهزة الاستخبارات لنظرائها، وكلها كما ورد في التقرير متمحورة حول ثلاث قضايا رئيسية: ترامب وترامب وترامب.
الصحيفة التي واكبت الوفد الاستخباري الإسرائيلي، لحظت أن المؤتمر هذا العام مغاير تماماً لمؤتمرات خمسة سبقت، إذ تراجع الموضوع الإيراني إلى الخلف، رغم الكلمتين الهجوميتين التحريضيتين لكل من وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير. تؤكد الصحيفة أن الوفود المشاركة لم تولِ اهتماماً لمضموني الكلمتين، رغم الضجة الإعلامية التي واكبتهما. في الوقت نفسه، الحيّز الذي خصّص للحرب السورية اتّسم بشبه فراغ في كرسي المشاركين، بل إن المشاركين الذين اضطروا إلى المشاركة، كانوا مشغولين بهواتفهم.
تؤكد "يديعوت أحرونوت"، من خلال مواكبتها لحراك الوفد الاستخباري الإسرائيلي، أن الخشية من ترامب وسياساته هي التي سادت أجواء المؤتمر، وتحديداً ما يتعلق باللقاءات والجلسات الجانبية بين الوفود الاستخبارية، التي لم تكن لتنتهي. تكشف الصحيفة أنه في القاعات المغلقة، حاولت وفود الاستخبارات الأوروبية التركيز على مطلب رئيسي، خلال مداولاتهم مع نظرائهم الأميركيين: ما هي فرصة وإمكان إسقاط ترامب قبل نهاية ولايته، وما الذي يمكن أن يترتب على إمكان نجاح هذه الفرصة؟
في ما يرتبط بهذا السؤال، تكشف الصحيفة أيضاً عن حديث جمع مصدراً إسرائيلياً استخبارياً بنظيره الأميركي، وتبيّن من اللقاء جملة حقائق قد تلقي بظلال ثقيلة جداً على ترامب ورجاله في البيت الأبيض وخارجه. تؤكد المعطيات أن إسقاط مستشار الأمن القومي الأميركي، مايكل فلين، بعد الكشف عن اتصالات أجراها مع مسؤولين روس، ليس إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، وبالتالي لن يكون الأول والأخير... تؤكد المصادر الأميركية، للصحيفة، وجود صورة قاتمة أو سعيدة، وفقاً لموقفك إن كنت مؤيداً أو معارضاً لترامب، إذ إن التحقيقات والمعلومات المجمّعة لدى الاستخبارات، تؤكد أن كبار المسؤولين المرتبطين بالرئيس الأميركي، أجروا حوارات مكثفة مع الروس، شبيهة بما قام به فلين.
المعلومات المجمّعة، للمفارقة، جاءت عن طريق اعتراض وكالة الأمن القومي الأميركية، "أن اس اي"، مكالمات ورسائل بريد إلكتروني ومراسلات نصية على برامج تواصل مثل "واتساب" و"تيليغرام"، كانت موجّهة لاعتراض الروس تحديداً، ولم تكن موجهة لاعتراض الأميركيين، لكنها كشفت أسراراً وخفايا بين الروس وجماعة ترامب، من اقتصاديين وسياسيين.
بدأ جهاز "أف بي أي" تحقيقاً في الموضوع، بعدما تلقّى من "وكالة الأمن القومي" المواد المجمّعة لديه، فيما بدأ في موازاة ذلك تحقيق خاص في الكونغرس. عضو الكونغرس السابقة، التي تحدثت في منتدى مقلّص في ميونيخ، جين هارمان، أعربت عن اعتقادها بضرورة أن يعمد الكونغرس إلى فتح تحقيق برعاية من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، بحيث يمكن الوصول إلى الحقيقة وترتيب نتائج عليها. وهذا ما يبدو أن الجمهوريين يوافقون عليه، أقله من قبل الكبار في الحزب، ومن بينهم جون ماكين وليندسي غراهام، اللذان كانا حاضرين في ميونيخ. وهناك من يعتقد أنهم سيقومون بذلك، ليس فقط جرّاء دوافع المصلحة القومية الأميركية، بل أيضاً من أجل التخلص من ترامب، الأمر الذي يبقيهم مع الشخصية الأفضل والمتوافقة أكثر مع القيم الحزبية للجمهوريين، أي نائب الرئيس مايكل بنس.