باريس | أثارت التهديدات التي وجّهتها زعيمة «الجبهة الوطنية»، زعيمة اليمين الفرنسي، مارين لوبن، إلى موظفي الدولة، موجات غير مسبوقة من الجدل والاحتجاج، إذ أجمعت نقابات الموظفين ورجال الشرطة والقضاء على إدانة النبرة التهديدية التي خاطبت بها لوبن عمال القطاع العمومي الأحد الماضي، متوعّدة بالقصاص من العناصر «غير الوطنيين» منهم بعد انتخابات الرئاسة.


هذه التهديدات أرغمت الرئيس فرانسوا هولاند على خرق «واجب التحفظ»، الذي يقضي بمنع تدخل رئيس الدولة لحساب طرف ضد آخر في المعتركات الانتخابية، وذلك بالقول: «لن أقبل أبداً اتهامات تشكك في نزاهة موظفي الدولة لمجرد أنهم يطبّقون القانون ويسهرون على حسن سير العدالة».
كذلك، استنكر رئيس الحكومة برنار كازنوف تهديدات لوبن لموظفي الدولة، واصفاً إياها بـ«التصريحات غير المقبولة التي تتنافى مع مبدأ دولة القانون»، ومضيفاً أنه لن يسمح بـ«أي تهديد من شأنه أن يمنع أي موظف من أداء المهمات المنوطة به بموجب القوانين المنتخبة من قبل الشعب الذي هو مصدر السيادة الوحيد».
أما وزيرة الوظيف العمومي أنيك جيراردان، فنبّهت لوبن إلى أن «من يطمح إلى تولي رئاسة الجمهورية لا يجوز له أن يدلي بمثل هذه التصريحات التي تتعمّد الدوس على مبادئ دولة القانون».
رغم أن الشطط والتصريحات الاستفزازية تشكل لازمة في سلوك اليمين المتطرف الفرنسي وخطابه، فإن هذه التهديدات هي الأولى التي يتهجّم فيها حزب مثل «الجبهة الوطنية» على الفئات التي تشكل عماد السلطة العمومية، كرجال الشرطة والقضاء، وهو الحزب الذي يبني تصوراً سياسياً بالغ التشدد يمجّد سلطة الدولة وقوتها.
واللافت أن لوبن، حتى في خضمّ الجدل الذي تفجّر في الأسابيع الماضية بخصوص «العنف البوليسي» إثر الاعتداء على أحد الشبان في أحياء الضواحي الباريسية، دافعت عن رجال الشرطة و«حقهم في الدفاع عن النفس أثناء أداء مهمتهم المقدسة المتمثّلة في ضبط الأمن وحماية السلم الاجتماعي»، إذا بموقفها ينقلب على نحو مفاجئ، مطلع الأسبوع الماضي، حينما رفضت التجاوب مع استدعاء الشرطة القضائية الذي وُجّه إليها للاستماع إلى أقوالها ضمن التحقيقات في تهم الفساد بحق عدد من المقرّبين منها.
حدث ذلك قبل أن تعود لتوجّه سهام تهديداتها إلى رجال الشرطة والقضاء خلال تجمع ضخم أقامته في مدينة «نانت»، متهمة إياهم بالمشاركة في «مؤامرة دولة» بتوجيهات من «مسؤولين سياسيين» قالت إنهم يطلبون من رجال الشرطة والقضاء وقطاع الوظيفة العمومية «استخدام السلطة العمومية لمراقبة المعارضين وتدبير الملاحقات والألاعيب المشبوهة ضدهم». وأضافت: «بعد أسابيع قليلة، ستكنس السلطة الحاكمة الحالية عن طريق الانتخابات. أما موظفو هذه السلطة الذين استُخدموا لتشديد وطأة الأساليب غير القانونية المستعملة، فإنهم سيتحملون مسؤولياتهم عندئذ... الدولة التي نريدها ستكون ذات توجه وطني».


التهديدات هي الأولى
لـ«الجبهة الوطنية» بحق فئات تشكل عماد السلطة


هذه النبرة المتوعدة بتنقية قطاع الوظيفة العمومية، الذي يضمن قرابة خمسة ملايين شخص يتوزعون بين الشرطة والقضاء والخدمات المختلفة، أثارت أيضاً حفيظة النقابات العمومية. ووصف «الاتحاد النقابي للقضاء» كلام لوبن بـ«الخطاب المخيف والمعادي للقيم الجمهورية»، خاصة أنه صدر عن «شخصية سيكون على عاتقها، في حال فوزها برئاسة الجمهورية، السهر على استقلالية القضاء التي تشكل إحدى الركائز الأساسية للنظام الجمهوري».
أيضاً، اعترض الأمين العام لـ«اتحاد نقابات الشرطة»، إيف لوفيبر، بشدة على تصريحات لوبن، قائلاً إنها «تعطي الانطباع بأن قوات الشرطة تعمل كميليشيات أو كأذرع مسلحة خاضعة لأوامر السلطة السياسية، في حين أن رجال الشرطة هم موظفون في خدمة الجمهورية، ولا يمكن أن يتجاوبوا مع أي أوامر تتجاوز أو تخرق الأطر القانونية».
كذلك، حذرت «فيدرالية الموظفين» من المنزلق الذي تشكله تصريحات لوبن، قائلة إن تصور الأخيرة يتنافى مع «الواجب المهني لعمال الوظيفة العمومية كما هو منصوص عليه قانوناً، والمتمثل في التزام الحياد لضمان المساواة التامة بين الجميع، فرنسيين كانوا أو أجانب مقيمين في البلاد، في الاستفادة من الخدمات العمومية».
الجدل المحتدم يثير أسئلة عدة حول خلفيات تصريحات لوبن، خاصة أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن «الجبهة الوطنية» تحظى بمخزون انتخابي ضخم في قطاع الوظيفة العمومية يقدّر بنحو مليون ناخب. ويفسّر جان إيف كامو، وهو مدير «مرصد ظواهر التطرّف السياسي» التابع لمؤسسة «جان جوريس» الفرنسية، مجازفة لوبن بإدارة ظهرها لهذا المخزون الانتخابي الضخم بـ«المأزق الذي يواجهه خطابها السياسي، بسبب قضايا الفساد والاختلاس التي طاولت حزبها في الأسابيع الأخيرة».
ورغم أن تأثير فضائح الفساد في القاعدة الانتخابية لـ«الجبهة الوطنية» كان محدوداً جداً، إذ لم تسجل لوبن أي تراجع في الاستطلاعات، بل لا تزال تتصدر بـ26% (مقابل 24% لماكرون و21% لفيون و15% لهامون)، فإن كامو يلفت إلى أن قضايا الفساد تشوّش كثيراً على خطاب لوبن الذي يسعى إلى استقطاب قاعدة انتخابية أوسع عبر تأليب الناخبين ضد ما تسميه «فساد النخب».
ويرى كامو أن استمرار أو تصعيد فضائح الفساد التي تستهدف «الجبهة الوطنية» من شأنه أن يقوّض حظوظ لوبن في انتخابات الرئاسة، لأنه يحدّ من قدرتها على اجتذاب المزيد من الناقمين على الاستبلشمنت الحاكم. وهذه الفضائح تبيّن للفرنسيين أن «الجبهة الوطنية» لا تختلف عن بقية الطبقة السياسية في ما يتعلق بسوء إدارة المال العام.