طهران | فور خروجك من مطار الإمام الخميني في طهران، تستقبلك يافطة كبيرة عليها صورة مرشد الثورة السيد علي خامنئي كُتب عليها «الاقتصاد المقاوم إقدام وعمل». للوهلة الأولى، تعتقد أن الأمر مجرد شعار لا يطبّق على الأرض.

لكن الإيرانيين يخالفون كل التوقعات، وينجحون في تحطيم الصورة التي رسمها الإعلام الغربي والعربي عنهم. فهم لا يطبقون هذا الشعار فحسب، بل يعيشونه في أدق تفاصيل حياتهم اليومية. لا يعلم الكثيرون أن البيوت الإيرانية فيها كيسان للنفايات. الأول للقمامة، والثاني لفتات خبزهم. فالخبز الإيراني أشبه بالكعك، يبقى فتات منه. لذا وبما أن الدولة في حالة حصار، يحرص المواطنون على إعادة تدوير خبزهم لإطعام الدواجن. الاقتصاد المقاوم ليس مجرد شعار بل أسلوب حياة، يمكن ملاحظته لدى زياراتك أحد المقامات الدينية الموجودة في طهران. في تجريش، شمال العاصمة، يوجد مقام صالح بن موسى الكاظم. على باب المقام تجد سلتين وضعت فيها أكياس نايلون استُخدمت لوضع الأحذية فيها.

تتجه لأخذ كيس جديد يطلب منك أحدهم التوقف. تراقبه فتجده يبحث في السلة عن كيس مستعمل. لا تفهم السبب، يعرف الرجل أنك لست إيرانياً. يقول لك باللغة الإنكليزية إنّه لا داعي لاستخدام كيس جديد إذا كان هناك واحد آخر صالح للاستخدام.
فمع مرور ٣٠ عاماً من الحصار، طوّر الإيرانيون كل شيء، معتمدين على أنفسهم وعلى مقدرات بلادهم.
قبل ١٠ سنوات بدأت إيران بتحويل اقصادها إلى اقتصاد مقاوم بهدف الاستقلال عن الخارج. ساهم في وضع مخططات لهذا الاقتصاد ٣ آلاف خبير. كان للإمام خامنئي دور مهم في ترسيخ هذه الفكرة ونشرها، إذ حرص في خطبه على الطلب من الإيرانيين شراء المنتوجات المحلية. كما أمر الحكومة شراء معدات ومواد إيرانية عند بنائها أي مشروع، أما إذا لم يوجد ما تحتاج إليه في الجمهورية الإسلامية يمكنها شراؤه من الخارج.


تطمح إيران
لتحويل اقتصادها إلى اقتصاد مقاوم مستقل عن الخارج

كما ساعد التلفزيون الإيراني في إيصال الفكرة إلى ٨٠ مليون مواطن من خلال الدعايات والإعلانات عن أهمية إطفاء الأنوار لدى الخروج من الغرف. وسنّت الحكومة قانوناً يلزم حارس الإدارات العامة على التأكد من إطفاء الأنوار لدى خروج الموظفين. حتى البيوت أصبحت تبنى بهدف توفير مقدرات البلد، مثل الحرص على أن يكون زجاج المنزل ذا طبقتين، لحبس الحرارة داخل الغرفة لتوفير استخدام الغاز.

طهران المظلومة

لا تشبه إيران شيئاً مما ينقله عنها الإعلام. فالمرأة هنا أساس المجتمع وليست محرومة من أدنى حقوقها. تقود سيارتها بلا محرم، تسير في الشوارع وهي مدركة أنه لن يلتفت ويتحرش بها أحد.
يمكنك أن تطلب مساعدة فتاة ترتدي «الشادور» في الترجمة من دون خوف، قد تساعدك في الاستدلال على وجهتك وقد تسير معك.
وأنت تسير في شوارع طهران تجد نفسك لا إراديا، تقارن البلد الذي تزوره بالمكان الذي جئت منه. كل طرقات طهران مصممة لذوي الاحتياجات الخاصة، الأرصفة، المصاعد، حافلات النقل العام حتى الهواتف العمومية في الشوارع أقصر، ليستطيع المقعدون الوصول إليها.
هنا في محافظة طهران والتي تبلغ مساحتها حجم لبنان مرة ونصفاً كل شيء منظم. فهناك طرقات خاصة للباصات وأخرى للسيارات وجسور مشاة تعمل على الكهرباء. يدخل العاصمة يومياً ٢٠ مليون سيارة، زحمة السير لا تطاق قد لا تتحرك سيارتك لنصف ساعة لكنك لا تسمع صوت بوق سيارة واحد.
هنا أقل مشوار يحتاج إلى ما يقارب ساعتين من وقتك، فطهران مدينة كبيرة مقارنة ببيروت ويعيش فيها أكثر من ١٣ مليون نسمة.
في القسم الجنوبي من العاصمة وتحديداً في منطقة بازاندي خورداد يقع البازار الكبير الذي تبلغ مساحته ٢٠ كلم مربع. عُرف البازار بأنه كان الداعم الأساسي لثورة الإمام الخميني. يلفتك في طريقك إلى البازار إعداد المتسوقين الكبير، منظرهم يذكرك بالمظاهرات الحاشدة في لبنان. يقول أحد تجار السجاد في البازار أن مليوني شخص يدخلون إلى السوق يومياً ويضم ٢٠٠ ألف محل.
تجد هنا كل ما تريد، تبلغ أطول أروقة البازار ١٠ كيلومترات. وتقسم الطريق في البازار إلى مسارين واحد للوافدين وآخر للخارجين منه. لا شعورياً وأنت في وسط هذه الزحمة تستذكر حادثة التدافع التي حدثت خلال موسم الحج عام ٢٠١٥ في منى. لا يوجد هنا منظمون ولكن كل شخص يعرف طريقه. بالمناسبة ينطبق الأمر نفسه في محطات المترو التي يستخدمها يومياً ما يقارب ٣ ملايين شخص.
داخل محطة مترو يقف الجميع في الصف لقطع التذاكر، وهنا لثقافة الانتظار والوقوف في الصف أهمية. لكن وبما أن لا نظام في البلاد التي جئت منها، تجتاز الصف الطويل وتصل إلى شباك التذاكر؛ لا تستوعب سبب نظرات الاستحقار الموجهة إليك في البداية.
تفهم لاحقاً وأنت أمام شباك التذاكر السبب، تعتذر لقاطعة التذاكر وللرجل في الصف الأمامي الذي يبدي امتعاضه لمعرفته أنك عربي. تكتشف لاحقاً أن الإيرانيين يعتبرون العربي أهل المملكة العربية السعودية.
في المترو عالم آخر مختلف، القراءة مهمة بالنسبة إلى الإيرانيين. في محطة الانتظار تجد المكتبات، أسعار الكتب هنا أرخص. وانت تخوض تجربتك الأولى في مترو بما أنه لا يوجد مثله في لبنان، تلاحظ أن أغلب الركاب منشغلون بالقراءة أو في التحدث فيما بينهم. أما المنشغلون بهواتفهم الذكية فهم الشبان صغار العمر، ويمكن ملاحظة أن أغلب أبناء جيل الثمانينيات لا يستخدم الهواتف الذكية. لركوب المترو طقوس، مثل أن يُجلس الشباب المسنين والنساء، وعدم الحديث على الهاتف بصوت مرتفع.
تساهم وسائل النقل العامة في طهران بتخفيف زحمة السير في الشوارع، كما تختصر الرحلة في المترو الوقت. إذ تحتاج الرحلة من البازار الكبير إلى تجريش عشرين دقيقة فقط، بينما كنت ستحتاج إلى ساعتين لو استخدمت السيارة. في المترو سوق آخر، تجد الباعة المتجولين بين المقصورات؛ يعرضون عليك بضاعتهم من سكاكر وسماعات وألبسة.
مقصورات المترو مقسمة هناك جزء خاص للنساء للواتي لا يرغبن بالاختلاط. ويُسمح للمرأة الصعود في المقصورات الأخرى بينما يمنع على الرجل الصعود إلى المقصورات المخصصة للنساء.
وضعت بلدية طهران برئاسة محمد باقر قاليباف، مخططاً لزيادة عدد خطوط المترو من ٢٠٠ خط يعملون حالياً إلى ٤٠٠ خط لتغطي بذلك كل مناطق العاصمة التي يدخلها يومياً ٢٠ مليون شخص.

لعنة الجغرافيا

تبدو جبال طهران من الطائرة وكأنها تحتضن المدينة. هذه الجبال التي تحيط المدينة من كل الجهات أصبحت لعنة عليها. إذ منع ارتفاع هذه الجبال خروج دخان عوادم السيارات، مما جعل المدينة الثالثة عالمياً بنسبة التلوث. في شوارع طهران تجد أغلب المشاة يرتدون أقنعة بسبب الغازات. لكن وبرغم من حجم التلوث إلا أنه يوجد في المدينة عدد كبير من المساحات الخضراء والحدائق العامة، أكبرها «بارك ساعي» و»بارك ملت». ويقول الطهرانيون إن رئيس البلدية قاليباف، المرشح للرئاسة الإيرانية، نجح في إقرار قانون يفرض على أصحاب الأراضي الذين لا يستخدمون أرضهم خلال عشر سنوات على مصادرتها وزرعها وتحويلها إلى حديقة عامة. يشيد الطهرانيون بإنجازات قاليباف، الذي طوّر بسنوات قليلة البنى التحتية للمدينة.

أحمد ياسين في السفارة الأميركية

في شارع طالقاني تقع السفارة الأميركية في طهران. تحتل السفارة مساحة كبيرة من الشارع، الجدار المحيط بها أصبح لوحة فنية. رسومات للخريطة الإيرانية، كتابات تهتف بالموت لأميركا وإسرائيل. أمام درج السفارة التي اقتحمها الطلاب عام ١٩٧٩، وضع الإيرانيون محركات الطائرة التي تحطمت وكانت مهمتها إنقاذ الرهائن.
في الطابق الأول للسفارة تستقبلك جدارية كبيرة، فترى رسماً لمؤسس حركة حماس الشهيد أحمد ياسين، ورئيس مكتبها السياسي الشهيد عبد العزيز الرنتيسي. يأخذك دليلك في السفارة إلى غرفة التحقيقات المبنية بالزجاج والعازلة للصوت. يريك كمبيوتر كان موجوداً منذ ذلك الحين، أي قبل الكشف عن أول كمبيوتر في ثمانينيات القرن الماضي. الأبواب هنا كلها مصنوعة من فولاذ سميك. يشير لك الشاب العشريني إلى ماكينة لتلف الأوراق والتي حولت أوراق السفارة إلى بودرة. يشرح بلغة انكليزية إن «الماكينة تعطلت مما أجبر الأميركيين على اعتماد ماكينات تلف الورق».
يأتي بالوثائق الأميركية التي احتاج جمعها ولصقها إلى ثلاث سنوات، هنا تتأكد من برودة وصبر الإيرانيين. يقول: «أظهرت الوثائق أن رئيسنا الأول بعد انتصار الثورة أبو حسن بني صدر كان عميلاً للسي آي ايه».
تترك إيران عائداً إلى بيروت، تستذكر كل التحريض السياسي الذي هاجم هذا البلد، من الحديث عن المد الفارسي، وتحويل لبنان إلى ولاية فقيه. تبتسم في سرك، لأنك متأكد لو أن السياسيين اللبنانيين عاينوا بأنفسهم ما تقدمه الجمهورية الإسلامية لشعبها لتمنوا لو كانوا مواطنين في إيران.