أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب جانباً مختلفاً في أول خطاب له أمام الكونغرس. فقد قدّم نفسه كمزيج من صانع صفقات وبائع، الأمر الذي تجلّى في دعوته إلى الوحدة، في محاولة منه لإخراج رسالته الشعبوية ضمن إطار أكثر قبولاً. وعلى الرغم من أن ترامب كرّر أفكاره السابقة بشأن الهجرة والرعاية الصحية وغيرهما، إلا أن الخطاب كان أقل إثارة للخلاف وحساسية للنقد، وأكثر استيعاباً وشمولاً.


وفي حين كان ترامب قد انتقد ساسة واشنطن، ووصفهم بأنهم "نخبويون منفصلون عن الواقع"، في خطاب تنصيبه قبل خمسة أسابيع، فقد جاءت رسالته مختلفة ليل الثلاثاء، ومفادها أنه بحاجة إلى الجمهوريين والديمقراطيين على السواء. وأظهر الخطاب قدراً من الاعتراف من جانب البيت الأبيض بأن أسلوب ترامب الصاخب المنفرد له حدود. فبعد موجة من الأوامر التنفيذية، بات يتعيّن عليه أن يحوّل تركيزه إلى القضايا الكبرى في جدول أعماله التي تتطلب تحركاً تشريعياً. وتأكيداً على نزعته الاستعراضية، تعهّد نجم تلفزيون الواقع، الذي تحوّل إلى سياسي، بفيض من الوعود، وهي: برنامج ضخم للبنية الأساسية والأشغال العامة، وتخفيضات ضريبية للطبقة المتوسطة، وإصلاح لنظامي الهجرة والرعاية الصحية، ومشروع قانون للتعليم، الأمر الذي سيتطلّب تحركاً للكونغرس، وسيكون على الأرجح عن طريق تحالفات مختلفة، من المحافظين والمعتدلين والديمقراطيين. وقال ترامب: "هذه رؤيتنا. هذه رسالتنا. لكن لا يمكننا الوصول إلى مبتغانا إلا معاً".
كذلك، تعهّد الرئيس الأميركي بالعمل مع حلفاء واشنطن، لا سيما من بين الدول الإسلامية، للقضاء على تنظيم "داعش". وأكد دعمه القوي لـ"حلف شمال الأطلسي"، مشدداً على ضرورة أن يفي أعضاء الحلف الآخرون بالتزاماتهم المالية، ومشيراً إلى أنهم بالفعل قد بدأوا بدفع الواجب عليهم.
وقدم ترامب، أمام أعضاء الكونغرس، الخطوط العريضة لإصلاح يستهدف نظام الهجرة، يريده أن يرتكز على جذب المهاجرين الأكثر كفاءة، على أن يترافق مع مزيد من التشدّد إزاء المهاجرين غير الشرعيين. ورأى أن التوصل إلى "إصلاح إيجابي" لنظام الهجرة ممكن مع المعارضة الديموقراطية، رغم الخلافات بشأن مصير ملايين المهاجرين السريين الموجودين على الأراضي الأميركية، منذ عقود عدة أحياناً. وكان ترامب قد تطرق قبل ساعات من إلقائه خطابه، أمام صحافيين في البيت الأبيض، إلى إمكانية إقرار قانون ينظّم وضع المهاجرين خلسة، الذين لم يرتكبوا جرائم. وممّا قاله، وفق ما نقلته عنه صحيفة "نيويورك تايمز"، إنه "حان الوقت للتوصل إلى قانون حول الهجرة، شرط قيام توافق بين المعسكرين".
وعمل ترامب في خطابه على تحريك المشاعر القومية الأميركية، وكرّر عزمه على مكافحة الهجرة السرية والمهاجرين "المجرمين". كذلك وعد بأن يبدأ قريباً العمل على بناء "الجدار الكبير جداً" على الحدود مع المكسيك. وفي إطار تأجيج المشاعر ضد المهاجرين، دعا إلى مبنى الكونغرس والد شاب في الـ17 من العمر، "قتل بأيدي مهاجر سري، عضو في عصابة كان خرج لتوّه من السجن"، كذلك دعا أرملتي شرطيين "قتلهما مهاجر سري له سوابق قضائية، وسبق أن صدر قرار طرد بحقه". من جهة أخرى، وعد الرئيس الأميركي بتخصيص تريليون دولار للاستثمارات العامة والخاصة، من أجل تطوير البنى التحتية في البلاد. وقال إن "أميركا أنفقت زهاء ستة تريليونات دولار في الشرق الأوسط، في حين تفكّكت البنية التحتية لدينا"، مضيفاً أنه "بتلك التريليونات الستة من الدولارات كان بإمكاننا إعادة بناء بلدنا مرتين وحتى ثلاث مرات، لو كان لدينا زعماء يملكون القدرة على التفاوض". ووعد مجدداً بالقيام بإصلاح ضريبي "تاريخي" سوف "يقلّل من الضرائب على شركاتنا حتى تتمكن من التنافس مع أيّ كان"، محمّلاً إدارة الرئيس السابق باراك أوباما مسؤولية تراكم الديون. وفي حين وُصف خطاب ترامب، على المستوى السياسي والإعلامي، بأنه تميّز بلهجة مختلفة وأكثر اعتدالاً، إلا أن البعض وجد أنه كان مضللاً في الاستناد إلى بعض الأرقام المتعلّقة بالعاطلين من العمل وغير ذلك من الوقائع. كذلك، أشار البعض إلى أنه اعتمد على إثارة الخوف، ومن هؤلاء السيناتور الديموقراطي بيرني ساندرز، المرشح السابق للانتخابات الرئاسية، الذي عقّب على دعوة ترامب لأهالي ضحايا الجرائم للحضور إلى الكونغرس، بأن الرئيس "يثير بذلك الخوف والكراهية ضد المهاجرين، كما يسعى إلى تقسيم أمتنا". وسارع زعيم المعارضة الديموقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر إلى وصف الخطاب بـ"الشعبوي"، مضيفاً في تغريدة على موقع "تويتر" أن "الرئيس يطبّق سياسة اليمين المتشدد".
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)