بعدما اتهمت أنقرة برلين بالعمل «ضد مصالح» الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من خلال إلغاء تجمعين مؤيدين لتوسيع صلاحياته في ألمانيا، رفضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أمس، اتهامات أنقرة، منتقدة في المقابل القيود على حرية الصحف في تركيا.


وقالت ميركل في خلال زيارتها تونس، إنَّ «الوضع القانوني في ألمانيا هو كالآتي: نحن نظام فدرالي. البلديات والمناطق لها صلاحيات، وكذلك بالنسبة إلى الحكومة الفدرالية. في ما يتعلق بالتجمعات، تُعطى الترخيصات على مستوى البلديات».
من جهتها، رفضت الخارجية الألمانية الاتهامات التركية. وقال المتحدث باسم الوزارة مارتن شافر، أمس، إنَّ القرارين اتخذتهما سلطات البلديتين المعنيتين و«لا تأثير» للحكومة الفدرالية فيهما. وأضاف المتحدث أنه «ليس من مصلحتنا أو من مصلحة تركيا... أن يكون الحوار بيننا عبر وسائل الإعلام، أو أن ندخل في مواجهة مفتوحة».
وكانت بلديتا غاغناو وكولونيا غرب ألمانيا قد ألغتا أول من أمس، تجمعين كان سيشارك فيهما وزيرا العدل والاقتصاد التركيان، تأييداً لتوسيع صلاحيات أردوغان في استفتاء ستنظمه تركيا في 16 نيسان. ورداً على ذلك، اتهمت أنقرة برلين بالعمل لمصلحة معسكر «لا» في الاستفتاء على التعديلات الدستورية. وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أمام صحافيين في أنقرة: «إنهم لا يريدون أن يخوض الأتراك حملة هنا، يعملون من أجل معسكر لا... يريدون منع قيام تركيا قوية». وفي غاغناو، قالت البلدية إنَّ المكان لا يتسع للأعداد المتوقعة من المشاركين، بينما قالت بلدية كولونيا إنَّ المنظمين لم يبلغوا السلطات قبل وقت كافٍ، وبالتالي لم يكن بوسعها اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة.
وتسعى تركيا إلى جذب جاليتها الكبيرة في ألمانيا قبل ستة أسابيع من الاستفتاء، إذ يعيش في ألمانيا أكثر من ثلاثة ملايين تركي، نصفهم من الناخبين. وأكد وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبقجي أنه سيتوجه إلى ألمانيا غداً، وأنه مستعد لـ«التنقل من مقهى إلى مقهى ومن بيت إلى بيت». أما وزير العدل بكر بوزداغ، فأعلن عدوله عن زيارة ألمانيا حيث كان من المقرر أن يلتقي نظيره هايكو ماس، معتبراً، أمس، أنَّ إلغاء التجمع «إجراء فاشي»، وتابع قائلاً: «الإرهابيون يتمتعون بحرية التعبير (في ألمانيا) لكن ليس وزير العدل». واستدعت السلطات التركية مساء الخميس السفير الألماني إلى أنقرة للاحتجاج على إلغاء التجمعين.
من جهة ثانية، نددت ميركل بالقيود على حرية الصحافة في تركيا، خصوصاً في ما يتعلق بمراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية، دنيز يوجل، الموقوف في تركيا بتهمة الدعاية «الإرهابية». وأكدت ميركل التزام بلادها «من حيث المبدأ الدفاع عن حرية التعبير في ألمانيا. وأعتقد أننا محقون في انتقاد أي قيود على حرية الصحف في تركيا»، مضيفة أنَّ «حرية الإعلام لم تنل الحماية الكافية في حالة دنيز يوجل». وزادت حدة الخلاف بين أنقرة وبرلين هذا الأسبوع بعد سجن يوجل الذي يحمل الجنسيتين الألمانية والتركية، الثلاثاء الماضي، وردت برلين بالاحتجاج لدى السفير التركي.
ورداً على سؤال عن مصير يوجل، لم يشأ وزير العدل التركي بكر بوزداغ الإدلاء بتعليق، أول من أمس في أثناء زيارته لمجلس أوروبا، مشيراً إلى أنَّ «هذه التحقيقات والملاحقات يجريها نظام قضائي غير منحاز ومستقل».
ولاحقت الشرطة يوجل بسبب مقالاته عن قرصنة البريد الإلكتروني لبيرات البيرق، وزير الطاقة وصهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو معتقل منذ 18 شباط لهذا السبب.
في المقابل، فإنَّ الخلافات المتكررة في الأشهر الماضية، خصوصاً حول حرية التعبير، لا تلغي كون البلدين العضوين في «الحلف الأطلسي» شريكين. فقد تفاوضت برلين وأنقرة مباشرةً في المعاهدة حول الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في 18 آذار 2016 لوقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا. وقد حذّر تشاوش أوغلو ألمانيا أمس، قائلاً إنه «إذا أردتم الحفاظ على العلاقات، فعليكم أن تتعلموا كيف تتصرفون مع تركيا»، مشدداً على ضرورة أن تعامل ألمانيا تركيا على أنها «شريك على قدم المساواة».


تسعى تركيا إلى جذب جاليتها في ألمانيا قبل أسابيع من الاستفتاء

وقد ألقى رئيس الوزراء التركي، بن علي يلديريم، الشهر الماضي، كلمة في أثناء تجمّع في أوبرهاوزن غرب ألمانيا أمام آلاف مناصري «العدالة والتنمية»، ما أثار انتقادات حادة من المعارضة الألمانية للحكومة بسبب السماح بانعقاده، في وقت تتهم فيه المعارضة في تركيا أردوغان بانتهاج سياسة قمعية، خصوصاً بعد محاولة الانقلاب.
وشنت السلطات التركية بعد الانقلاب الفاشل في تموز الماضي حملة تطهير غير مسبوقة أدت إلى توقيف 43 ألف شخص وإقالة أو توقيف أكثر من مئة ألف آخرين عن العمل. وشملت الإجراءات خصوصاً وسائل الإعلام غير الموالية للحكومة، ما أثار انتقادات دول أوروبية، خصوصاً ألمانيا.
يأتي ذلك في وقت وجه فيه مجلس أوروبا تحذيراً إلى تركيا على خلفية الوضع «الحرج» للصحافيين الموقوفين فيها على ذمة التحقيق، مؤكداً أنَّ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ستناقش حالاتهم إذا لم يستفيدوا من محاكمة فعلية في بلدانهم.
وقال الأمين العام لمجلس أوروبا، ثوربيورن ياغلاند، في بيان الأربعاء بمناسبة الزيارة التي قام بها وزير العدل التركي بكر بوزداغ لهذه المنظمة الأوروبية، إنَّ وضع الصحافيين والنواب في البلاد «حرج لأنهم موقوفون على ذمة التحقيق منذ بضعة أشهر». وأضاف أنه «إذا لم تبحث المحكمة الدستورية حالاتهم عمّا قريب... فستبدأ المحكمة هنا في ستراسبورغ (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان) بالنظر في دعاويهم».
(الأخبار، أ ف ب)