باريس | جاءت استقالة باتريك ستيفانيني، وهو مدير حملة مرشح يمين الوسط للانتخابات الرئاسية الفرنسية الذي كان الأوفر حظّا بالفوز، فرانسوا فيون، لتشكّل ضربة هي الأقسى من نوعها لمرشح «الجمهوريين»، لأن ستيفانيني، الملقب بـ«صانع الرؤساء»، كان مهندس تجمع «تروكاديرو» وظلّ وفياً لفيون حتى مساء الجمعة الماضي، قبل أن يقرر التنحّي بعدما بلغت موجة الانشقاقات درجة رأى أنها تهدد معسكر اليمين الفرنسي بالانقسام، ما يعني أنها تقوّض حظوظه في الفوز بالرئاسة أو حتى في التأهّل إلى الجولة الثانية.


ومنذ أُعلن استدعاء فيون قضائياً، الأربعاء الماضي، لتوجيه الاتهام إليه رسمياً في قضية الوظائف الوهمية لزوجته ولأولاده، ثم قراره رفض التنحّي خلافاً لتعهّده به عندما تفجّرت هذه القضية في نهاية كانون الثاني الماضي، قررت أكثر من ستين شخصية بارزة، بينها وزراء سابقون وحكام مقاطعات وبرلمانيون، سحب تأييدهم لفيون.
وتلى ذلك إعلان حزب «اتحاد الديموقراطيين المستقلين» (يمين الوسط) تجميد تحالفه الانتخابي مع «الجمهوريين» ما لم يسحب فيون ترشيحه، لتصل بعد ذلك موجهة الانشقاقات إلى أركان حملة فيون، مع استقالة مدير حملته ونائبيه والمسؤول المالي، وبذلك بات الرجل معزولاً أكثر من أي وقت مضى، لكن ذلك لم يمنعه من الإصرار على المضي، بل أعلن خلال تجمع «تروكاديرو» أنه حكّم ضميره واتخذ القرار الذي يراه الأمثل، داعياً المنشقين إلى «تحكيم ضمائرهم بدورهم، واتخاذ القرار الأصوب لمصلحة البلاد».
بعد هذه التطورات، عاد وجدّد رفضه التنحّي حينما حلّ ضيفاً على نشرة الأخبار الرئيسيّة على التلفزيون العمومي، مساء أمس، قائلاً إن «مشروع القطيعة الذي طرحتُه، والذي هو الوحيد الكفيل بإنقاذ البلاد من الأزمة، لا يزال يحظى بغالبية ناخبي اليمين والوسط، وذلك ما برهنه تجمع تروكاديرو، إذ لم يكن مئتا ألف شخص لينتقلوا من مختلف المناطق الفرنسية، لو لم يكونوا متمسّكين بتأييدهم لي، رغم الأخطاء التي ارتكبتها، والتي اعتذرت عنها مجدداً اليوم».
رداً على ذلك، قرر المنشقون من أركان حزب «الجمهوريين» الدعوة إلى اجتماع طارئ لـ«اللجنة السياسية» للحزب، سيعقد اليوم الإثنين، وهو اجتماع قال فيون إنه سيحضره، لكنه استدرك بالقول: «أنا مستعد للحوار، لكنني أريد أن أوضح أن لا أحد يستطيع أن يرغمني على التنحّي... ليست من صلاحيات الحزب تقرير ذلك، بعدما عبّر ناخبو اليمين والوسط بوضوح عن خيارهم في الانتخابات التمهيدية».


انقسامات الائتلاف اليميني جعلت
جوبيه يبدي «تجاوباً مشروطاً»

ومجدداً، عاد الحديث عن خطة بديلة تتمثل في الاستنجاد بألان جوبيه، الذي كان قد حلّ ثانياً في انتخابات اليمين التمهيدية. ورغم أن عمدة بوردو رفض أن يكون «حصاناً بديلاً» حينما طُرحت هذه الفكرة في بداية الأزمة الناجمة عن فضائح فيون المالية، فإن حجم الانقسامات في صفوف الائتلاف اليميني جعل جوبيه يبدي، أول من أمس، «تجاوباً مشروطاً» مع المطالبين بعودته لإنقاذ حملة «الجمهوريين».
جوبيه اشترط، وفق ما نقل مقرّبون منه، أن تحظى عودته بالإجماع، وذلك لتفادي المزيد من الانقسامات، لكنّ هذا مرتبط بمعضلتين لا تزالان عالقتين: الأولى تتعلق بقبول فيون التنحّي طواعية لحساب جوبيه، فيما ترتبط الثانية بمدى قبول الرئيس السابق نيكولا ساركوزي والمناصرين له بتزكية عودة جوبيه.
وفي بادرة هي الأولى من نوعها منذ الانتخابات التمهيدية التي جرت في كانون الأول الماضي، قال المقرّبون من جوبيه وساركوزي إن الرجلين تحادثا مطولاً على الهاتف أول من أمس. وطُرحت سيناريوات عدة لردم الهوة بين المعسكرين، منها فكرة قبول تزكية جوبيه للرئاسة، على أن يترافق ذلك مع تعيين أحد أركان المعسكر الموالي لساركوزي رئيساً للحكومة.
واقترح اسم وزير الاقتصاد السابق فرنسوا باروان، المقرّب من ساركوزي، لهذا الغرض، لكن معسكر جوبيه طرح مقترحاً بديلاً تمثّل في وزير البيئة السابق جان لوي بورلو، الذي كان الرجل الثاني في حكومة ساركوزي (2007 ــ 2010)، قبل أن يستقيل ويعتزل السياسية لأسباب صحية.
وحظي هذا المقترح بترحيب ساركوزي، خاصة أن بورلو من أركان حزب «اتحاد الديموقراطيين المستقلين» الوسطي، ما سيعيد هذا الحزب إلى أحضان «الجمهوريين»، بعدما كان قد جمّد تحالفه الانتخابي معهم.
في هذا الوقت، بيّن استطلاع رأي أجرته مؤسسة SOFRES أمس أن عودة جوبيه ستكون كفيلة بإنقاذ «الجمهوريين» من خطر الإقصاء منذ الدورة الأولى من انتخابات الرئاسة. ففي حال بقاء فيون مرشحاً، يُرتقب أن يحل ثالثاً بـ17% وراء مارين لوبن (26%) وإيمانويل ماكرون (24%‏). أما إذا عاد جوبيه، فإنه سيحل ثانيا بـ24,5% وراء مارين لوبن التي ستنال27%‏‏ من الأصوات، بينما سيقصى ماكرون، لأنه لن يحظى في هذه الحالة سوى بـ20%.
هذه النتائج تبيّن أن جوبيه مؤهل لتعويض خسارة الأصوات التي سيفقدها في صفوف التيارات التقليدية لليمين في حال تنحّي فيون، خاصة لدى الناخبين الكاثوليك الذين شكلوا غالبية المشاركين في تظاهرة «تروكاديرو» أمس.
ووفقاً للاستطلاع المذكور، فإن 60%‏ فقط من المؤيدين لفيون يعتزمون التصويت لجوبيه، فيما ستذهب أصوات الـ40% المتبقية إلى مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبن، لكن جوبيه سيستفيد من مخزون انتخابي يفوق هذه الخسارة، ويتمثل ذلك في غالبية ناخبي الوسط، فضلاً عن أصوات الناقمين على الحزب الاشتراكي، الذي سيفضّلونه على ماكرون.
وهذا الأخير سيخسر لحساب جوبيه قرابة 5% من مجموع المسجلين على القوائم الانتخابية، أي أكثر من مليوني صوت!