باريس | لا يكاد يمرّ يوم من دون أن يشهد مسلسل الفضائح المالية الذي يلاحق مرشح اليمين والوسط لانتخابات الرئاسة، فرنسوا فيون، تطورات جديدة وغير متوقعة. وكان قد ساد الانطباع بأنَّ فيون خرج منتصراً من معركة ليّ الأذرع بينه وبين "الانقلابيين" من كوادر حزب "الجمهوريين"، الذين حاولوا إطاحته في خلال اجتماع طارئ لـ "اللجنة السياسية" للحزب عُقد أول من أمس الاثنين.


وخاصة أن إعادة تزكية فيون، في أعقاب ذلك الاجتماع، ترافقت مع إقامة تحالف معلن بينه وبين الساركوزيين، يقضي بتعيين فرنسوا باروان، أحد أركان التيار الساركوزي، رئيساً للحكومة، في حال فوز فيون بالرئاسة. فيما أعلن جوبيه تخليه نهائياً عن فكرة العودة إلى المعترك الانتخابي كمرشح بديل لإنقاذ حملة "الجمهوريين".
لكن الخلافات داخل بيت "الجمهوريين" عادت إلى الاحتقان أمس، إثر إعلان صحيفة "لوكانار أونشينيه" أنها ستنشر في عددها الذي يصدر اليوم (الأربعاء) تسريبات تحمل تهماً جديدة تطاول فيون شخصياً، لا أفراد عائلته فحسب، وتتعلق بالفساد والتهرب الضريبي. تسريبات سبّبت تأجيج الجدل مجدداً حول أهلية فيون لبقائه مرشحاً للرئاسة، وفجّرت أزمة جديدة بين أجنحة الحزب أفضت إلى إلغاء اللقاء الثلاثي الذي كان مرتقباً بين فيون وساركوزي وجوبيه. لقاء كانت قيادة الحزب تراهن عليه لطيّ صفحة الخلافات والانشقاقات، وإعادة تفعيل حملة الحزب بعد أسابيع طويلة من الجدل والتخبط.
ووفقاً لما كشفته "لوكانار أونشينيه"، عثر المحققون في خلال عمليات التفتيش في إقامة فيون، على خلفية قضية الوظائف الوهمية لزوجته وأولاده، على وثائق تشير إلى أنه تلقى عام 2013 مبلغاً مالياً قيمته 50 ألف يورو، على شكل هبة أو قرض من دون فائدة، من قبل الملياردير مارك لادريه دو لاشاريير، الذي كان يوظف في الفترة نفسها زوجة فيون كناقدة أدبية في "مجلة العالمين" التي يمتلكها.
بالرغم من أن محامي فيون، أنطونان ليفي، سارع إلى التأكيد أنَّ الأمر يتعلق بقرض أعاد فيون تسديده كاملاً لاحقاً، فإنّ الوثائق القضائية التي سُرِّبَت إلى "لوكانار أونشينيه" تشير إلى أنَّ المحققين لم يعثروا على قرائن تثبت إعادة تسديد المبلغ، للتثبت بأنَّ الأمر يتعلق بقرض مالي وليس بعمولة تقع في خانة الرشى. والأخطر من ذلك، وفقاً للـ "كانار أونشينيه" دائماً، فإن فيون لم يُعلن مبلغ الخمسين ألف يورو لمصلحة الضرائب، ولا لـ "الهيئة العليا لشفافية الحياة السياسية". وهذا ما يشكل مخالفة خطيرة، لأنَّ القانون يقضي بإعلان أي هبات أو قروض تفوق مبلغ 760 يورو.


عادت الخلافات داخل «الجمهوريين» إلى الاحتقان إثر تسريبات جديدة

بالرغم من أنّ الأمر هنا يتعلق بمبلغ زهيد جداً، مقارنة بالمبالغ التي ورد ذكرها في قضية الوظائف الوهمية لزوجة فيون وأبنائه، والتي فاقت مليون يورو، فإن هذه الخمسين ألف يورو "قد تكلف فيون غالياً"، كما ذكرت "لوكانار أونشينيه"، لأنَّ الأمر هنا لم يعد يتعلق بـ"خطأ أخلاقي لم ترافقه أي مخالفة قانونية"، كما اعتبر فيون ومحاموه، بل بشبهة فساد قوية تزيد من خطورتها مخالفة قانونية مؤكدة تتعلق بالتهرب الضريبي وعدم الإفصاح عن المبلغ للهيئة الرقابية التي تسهر على شفافية الحياة السياسة.
سينبغي لفيون الردّ على هذه التهم الجديدة، في أثناء مثوله أمام قاضي التحقيق، في 15 آذار الجاري، لتوجيه الاتهام القضائي إليه رسمياً. ما يعني أنَّ شبهات الفساد المالي ستستمر في الإلقاء بظلالها، لأسابيع طويلة مقبلة، على الحملة الانتخابية لمرشح "الجمهوريين". وهو أمر كفيل بأن يؤجج مجدداً نقمة المنشقين داخل حزبه، إذ لم تلبث أن عادت إلى الواجهة الانتقادات التي تتهم فيون بتغليب مصلحته الشخصية على المصلحة العامة، و"احتجاز ناخبي اليمين والوسط كرهائن في المواجهة المفتوحة بينه وبين القضاة"، وفق تعبير النائب تيري سولير، الذي أشرف على إدارة الانتخابات التمهيدية لليمين والوسط.
هذه الاتهامات لا تستند فقط إلى رفض فيون التنحي، رغم الاستقالات المتتالية لأركان حملته وكوادر حزبه. بل يتهم تيار "الانقلابيين" في صفوف "الجمهوريين" فيون ومستشاريه بالتخطيط بشكل مبيت وعمدي لوضع قيادة الحزب أمام الأمر الواقع، من خلال التشريع بإيداع التواقيع المتعلقة بتزكية ترشيحه، كما ينص عليه القانون الفرنسي، من قبل 500 منتخب من رؤساء البلديات والنواب وحكام المقاطعات. وطالب المنشقون عن فيون بالتريث قبل إيداع تلك التواقيع رسمياً لدى المجلس الدستوري، كي يتاح للحزب تعديلها باسم المرشح البديل، في حال تنحي فيون أو إبعاده. لكن هذا الأخير سارع الى إيداع التواقيع في 2 آذار، في حين أنّ المهلة القانونية تمتد حتى منتصف الشهر. وهو ما عُدَّ مناورة متعمدة لإحباط أي خطة بديلة، لأن التواقيع لا يمكن سحبها بعد الإيداع الرسمي. بالتالي سينبغي لـ "الجمهوريين"، في حال تعيين مرشح بديل، الحصول على تزكيات 500 منتخب آخرين غير هؤلاء الذين زكوا فيون، ولا يحق لهم قانوناً تزكية مرشح آخر.
معضلة التزكيات هذه أسهمت في دفع آلان جوبيه إلى الإحجام عن الترشح مجدداً، إذ قال، في تصريحه أول من أمس، إن "الوقت بات متأخراً لطرح مرشح بديل". لكن صعوبة الحصول على تزكيات جديدة، في خلال أقل من 10 أيام، لم تحد من إصرار بعض "الانقلابيين" على إبعاد فيون. وفِي مقدمة هؤلاء وزير الشؤون الأوروبية السابق، بيار لولوش، الذي لوّح باللجوء إلى المجلس الدستوري لتفعيل المادة السابعة من الدستور، التي تقضي بتأجيل انتخابات الرئاسة لمدة 35 يوماً، بسبب وفاة أو عجز أحد المرشحين عن الاستمرار في المعترك الانتخابي، قبل أقل من أسبوعين من موعد الاعتماد الرسمي للترشيح، أي قبل تاريخ 17 آذار الجاري. ويعتقد أنصار هذا الرأي بأن تفعيل المادة السابعة، في حال تنحي فيون أو إبعاده، من شأنه أن يمنح "الجمهوريين" مهلة إضافية لإعادة ترتيب البيت، وتزكية مرشح بديل.