باريس | هل استطاع فرنسوا فيون أن يطوي نهائياً صفحة الانشقاقات والخلافات في صفوف اليمين والوسط، ليفرض بقاءه في المعترك الانتخابي الرئاسي كأمر واقع لا مناص منه؟ هذا السؤال هو الذي يشغل متتبعي الانتخابات الرئاسية الفرنسية. فخلافاً للتوقعات، لم تُحدث التسريبات الأخيرة التي نشرتها صحيفة «لوكانار أونشينيه»، في عددها الصادر أمس، هزة جديدة في شعبية مرشح «الجمهوريين»، بل ما حدث هو العكس.


وسجل فيون تقدماً في استطلاعات الرأي، هو الأول من نوعه منذ أربعة أسابيع، إذ بيّن استطلاع أجرته مؤسسة Opinionway أن شعبيته ارتفعت إلى 21٪‏، بزيادة قدرها 1,5٪‏ في خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، فيما بقيت مارين لوبن في الصدارة بـ 26٪‏، يليها إيمانويل ماكرون بـ 25%.
وسط ذلك، سارع مؤيدو فيون إلى ترويج أنَّ هذا الازدهار المفاجئ في شعبية فيون يعكس نفاد صبر الرأي العام حيال «التحامل القضائي والإعلامي ضده»، وهو أمر لا يخلو من الصحة، إذ عبّرت شخصيات عدة، حتى في صفوف اليسار، كوزير الداخلية السابق جان بيار شوفنمون، عن استهجانها الأسلوب المسرحي الذي يدار به مسلسل التسريبات وتزامن فصوله، بنحو مقصود، مع تطورات الحملة الرئاسية.
لكن ارتفاع شعبية فيون، رغم تسريبات «لوكانار أونشينيه» الأخيرة، ارتبط أيضاً بمعطى آخر لا صلة له بـ«التحامل القضائي والإعلامي» المفترض ضده. وتمثل ذلك في مبادرة سارع المرشح الأوفر حظّاً إلى ارتجالها، وذلك بتوجيه الدعوة إلى «اتحاد الديموقراطيين المستقلين» (يمين الوسط) لإقامة تحالف انتخابي جديد مع «الجمهوريين». وكان فيون يدرك سلفاً أنه لو نجح في اجتذاب «الوسطيين» مجدداً، فإن ذلك سيطغى على عناوين الأخبار، ثم سيعتّم على التسريبات والاتهامات الجديدة ضده.
بالفعل، حينما نشرت «لوكانار أونشينيه»، مساء الثلاثاء، بياناً أعلنت فيه أنها ستنشر في عددها لهذا الأسبوع وثائق جديدة تتهم فيون بالفساد وبالتهرب الضريبي، كان مرشح «الجمهوريين» يستعد لإلقاء خطاب مهم في خلال تجمع شعبي في مدينة «أورليون»، وهو تجمع أراد «الجمهوريون» به تسجيل عودتهم رسمياً لاستئناف الحملة الانتخابية على الأرض، بعدما خرج فيون منتصراً في «اللجنة السياسية» للحزب، ظهر الاثنين الماضي.
خلافاً للنص الأصلي لهذا الخطاب، الذي كان قد وُزّع على الصحافيين، ارتجل فيون في مقطع دعا فيه «الديموقراطيين المستقلين» إلى العودة إلى أحضان «الجمهوريين»، بعدما كانوا قد صفقوا الباب، وجمدوا تحالفهم مع «الجمهوريين»، غداة إعلان توجيه الاتهام القضائي رسمياً إليه. لكن الأخير اغتنم تجمع «أورليون» لمدّ يده إليهم من أجل إرساء تحالف انتخابي جديد، داعياً «حلفاءنا الوسطيين رسمياً، وبكل ود، إلى الالتحاق بحملتنا».
لم تمرّ ساعات قليلة، حتى التأم اجتماع لقيادة «الديموقراطيين الأحرار»، وصوّتت غالبية «المكتب التنفيذي» للحزب بالموافقة على إعادة تفعيل التحالف الانتخابي مع «الجمهوريين». ولم يكن قرار «الوسطيين» مفاجئاً، فقد وجدوا أنفسهم معزولين تماماً، بعد إعلان ألان جوبيه انسحابه نهائياً من المعترك الرئاسي.
وكان «الديموقراطيون المستقلون» قد راهنوا على إمكانية إقامة تحالف انتخابي بين جوبيه ومؤسس حزبهم، وزير البيئة السابق جان لوي بورلو. وبعد الانسحاب، رفضت غالبية كوادر الحزب التحالف مع ماكرون، الذي كان قد وجه إليهم الدعوة إلى الالتحاق به.
التجاوب السريع، الذي حظيت به سياسة اليد الممدودة قبل فيون تجاه «الديموقراطيين المستقلين»، جعلت هذا التحالف الانتخابي الجديد يتصدر عناوين الأخبار، صباح أمس، ما أسهم ــ كما خطط له فيون ــ في التعتيم على تسريبات «لوكانار أونشينيه». وأدّى ذلك إلى انتعاش شعبيته مجدداً، لأنه برهن أنه لم يستطع أن ينهي الخلافات الداخلية في صفوف حزبه فحسب، بل بات قادراً على إعادة بناء تحالف انتخابي أوسع لاجتذاب أصوات ناخبي يمين الوسط.
هذا التحالف الانتخابي سيمنح «الديموقراطيين المستقلين» دعماً قوياً لتقديم مرشحيهم على رأس قوائم مشتركة مع «الجمهوريين» في 96 دائرة انتخابية، في خلال الانتخابات البرلمانية التي ستجري بعد ثلاثة أسابيع من انتخابات الرئاسة، ما سيقوي حظوظهم في الفوز بكتلة برلمانية.
في المقابل، يراهن أنصار فيون على أن يُسهم هذا التحالف الانتخابي في اجتذاب أصوات مؤيدي «الديموقراطيين المستقلين»، لتوسيع القاعدة الانتخابية لمرشحهم، وذلك لتشمل بعض قطاعات يمين الوسط، بما من شأنه أن يُسهم في استمرار ارتفاع شعبية فيون في استطلاعات الرأي، والبرهنة، تالياً، على أنه تجاوز نهائياً الهزات التي سببتها له الفضائح المالية، لكن ذلك يبقى مرهوناً بتجنيب فيون اتهامات أو تسريبات جديدة.