إسطنبول | رحل صباح أمس الرئيس التركي السابق، سليمان ديميريل عن عمرٍ يناهز الواحد وتسعين عاماً. في أحد مستشفيات أنقرة، غيّب الموت ديميريل، إحدى أشهرالشخصيات التركية العامة في التاريخ المعاصر، مع عمله 50 عاماً في السياسية والشأن العام.


حكم ديميريل، الذي كان يناديه أنصاره «بابا»، تركيا على فتراتٍ متقطعة، بدءاً من عام 1965 وحتى عام 2000. واشتهرت تلك الفترات بالانقلابات العسكرية وبالنزاعات والأحداث «الساخنة»، ولا سيما المجازر التي شهدتها تركيا في صفوف اليساريين والأتراك العلويين والصراعات الدموية بين القوميين والاسلاميين. أطلق عليه لقب «سليمان الراعي» بسبب عمله راعياً للأغنام في طفولته، إلى جانب مناداته للسخرية باسم «سليمان موريسون»، على خلفية عمله ممثلاً لشركة «موريسون» الاميركية للإنشاءات، بعدما منحته واشنطن منحة دراسية، قبل أن يُتّهم بأنه «رجل أميركا المخلص»، حينما عاد من الولايات المتحدة عام 1964، ليصبح على الفور زعيماً لحزب «العدالة» ثم رئيساً للوزراء بعد انتخابات 1965.
وقبل تولّيه المناصب الرسمية، عمل موظفاً في مؤسسة المياه الوطنية المسؤولة عن كل شؤون المياه في تركيا، ثم وصل إلى رئاسة مؤسسة المياه عام 1955، فكان مسؤولاً عن بناء السدود على نهري دجلة والفرات. وفي هذا السياق، اشتهر ما قاله له مسؤول في الاستخبارات المركزية الاميركية، حين سأله: «لماذا سدود صغيرة؟»، ثم قال: «عليكم أن تبنوا سدوداً كبيرة حتى تتحكموا بمياه الفرات ودجلة فتصبح المياه ذات يوم سلاحكم الأهم في العلاقة مع العراق وسوريا». وهذا ما كان، حين بنى ديميريل، خلال فترات حكمه، 5 سدودٍ كبيرة على نهر الفرات، أهمّها «سدّ أتاتورك» الذي يحتجز نحو 56 مليار متر مكعب من مياه الفرات.
شغل ديميريل المولود قرب مدينة اسبرطة في وسط الاناضول، منصب رئيس الوزراء 7 مرات منذ منتصف الستينيات، رغم أن العسكر أطاحوه مرّتين عامي 1971 و1980، ليعود بعدها عبر الانتخابات، ثم أصبح رئيساً للجمهورية عام 1993، خلفاً للرئيس تورغوت أوزال الذي توفي فجأةً.
تعرّض ديميريل لانقلابٍ داخلي من قبل تانصو تشيلار (أول أمرأة تتولى رئاسة الوزراء في تركيا) المدعومة أميركياً والتي أصبحت زعيمة حزب «الطريق القويم» الذي أسسه ديميريل مع أتباعه بعد انقلاب 1980. آنذاك، منع المنقلبون جميع الساسة القدماء، ومنهم ديميريل، من ممارسة العمل السياسي لمدة 10 سنوات، غير أن رئيس الوزراء آنذاك تورغوت أوزال ألغى هذا الحظر باستفتاء شعبي عام 1987.


أيّد إعدام الشبّان اليساريين الذين هاجموا القواعد الأميركية والقنصلية الإسرائيلية

بإمكان مسيرة ديميريل السياسية أن تختصر تاريخ تركيا لمدة خمسين عاماً، على الأقل بين تولّيه رئاسة مؤسسة المياه الوطنية، حتى تقاعده من رئاسة الجمهورية عام 2000. وتضمنت هذه المسيرة أحداثاً مفصلية في تاريخ الجمهورية، تحديداً المجازر ضد العلويين والحرب على الأكراد، فضلاً عن المواجهات بين اليساريين والقوميين والاسلاميين.
تحالف ديميريل مع القوميين والاسلاميين في العديد من الحكومات الائتلافية التي ترأسها منذ عام 1965 حتى عام 1980، حين تمكن العسكر من إطاته، قبل أن يودعوه في السجن، شأنه شأن كل الزعماء الآخرين الذين لاقوا المصير نفسه، ومنهم نجم الدين أربكان وبولنت أجاويد. وكان ديميريل يدافع دائماً عن حلفائه القوميين، رغم قتلهم، بصورةٍ يومية، لأعدادٍ من الشباب اليساريين في الجامعات، في وقتٍ كان فيه ديميريل يقول مقولته الشهيرة: «لا أحد يستطيع أن يجبرني على القول إن اليمينيين يقتلون الناس»، كذلك، هو أيّد إعدام الشبّان اليساريين بعد انقلاب 1971، لأنهم هاجموا القواعد الأميركية والقنصلية الاسرائيلية في تركيا.
ديميريل الذي نعاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم أمس، قائلاً إنه «ترك أثراً عميقاً في الحياة السياسية في تركيا»، ظلّ ملتزماً مبادئ الجمهورية العلمانية، رغم التنازلات التي قدّمها للإسلاميين للبقاء في السلطة ضد اليسار، تحديداً بولنت أجاويد وحزبه «الشعب الجمهوري» الذي أصبح بعد انقلاب ١٩٨٠ «اليسار الديموقراطي»، ثم عاد إلى اسمه السابق. خلال رئاسته للجمهورية، أبعد ديميريل أربكان، وهو أول رئيس حكومة اسلامية في تركيا عن الحكم بضغط من الجيش في حزيران عام 1997، في ما يصفه المحللون الأتراك اليوم بأنه «انقلاب ما بعد الحداثة». وانسحب ديميريل رسمياً من الحياة السياسية بعد نهاية ولايته الرئاسية، غير انه ظل مرجعاً للطبقة السياسية التي كانت تستشيره.
لم يرتح الرئيس الرحل يوماً إلى أردوغان ورفاقه، إذ قال عنهم في أكثر من مناسبة، إنهم «خطرٌ على الجمهورية التركية العلمانية الحديثة».
وفاة ديميريل في هذه اللحظة بالذات من عمر الجمهورية التركية، وفي ظلّ الضبابية التي تهيمن على المشهد السياسي عقب خسارة «العدالة والتنمية» للغالبية البرلمانية والعجز عن التوصل إلى تشكيلة حكومية ائتلافية حتى الآن، دفعت بعض الدوائر السياسية والاعلامية في تركيا إلى المقارنة بينه وبين أردوغان الذي يبدو أنه متجه للتحالف مع حزب «الحركة القومية» في الحكومة المرتقبة، لضمان بقائه في السلطة، وهو ما فعله ديميريل عند تشكيله حكوماته الائتلافية المتتالية.