لم يعطِ وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أي انطباع، حتى الآن. أين هو من كل ما يقوم به رئيسه دونالد ترامب على مستوى السياسة الخارجية؟ لماذا لا يحضر في إطار مشاهد اللقاءات التي تجمع ترامب مع قادة دول العالم؟ بل أين ريكس تيلرسون، بشكل عام؟ وهل هو وزير خارجيّة قوي أو ضعيف؟


الأسئلة كثيرة، وكانت قد انطلقت منذ بداية عهد ترامب، وبعد حصول تيلرسون على موافقة مجلس الشيوخ لتثبيته. أما ما أدى إلى ظهورها، فقد كان عدم إجراء وزارة الخارجية مؤتمرات صحافية يومية، عبر المتحدث باسمها، لإطلاع المراسلين على المستجدات. ثمّ جرت أحداث عدّة ساهمت في تصاعد هذه التساؤلات، ابتداءً من تصريح مستشار الأمن القومي المستقيل مايكل فلين عن «تحذير إيران» بشأن تجاربها الصاروخية، وليس انتهاءً بمواربة ترامب، أثناء مؤتمره الصحافي المشترك مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في ما يتعلّق بحلّ الدولتين.


رأى محلّلون أن تأثير تيلرسون في وزارة الخارجية يعتمد على علاقته بترامب


كانت هذه التفاصيل كافية لتثير هواجس كثيرة في وسائل الإعلام الأميركية، غير المعتادة على التعامل مع قائد للدبلوماسية يميل إلى الابتعاد عنها. وبمقارنة بسيطة مع تجربتها مع الوزير السابق جون كيري، لم تحتمل غالبية الصحف والقنوات التلفزيونية إمكان أن يكون خَلَفه «شخصاً مغموراً». أما ما حوّل هذه الهواجس إلى غضب، فقد كان قرار تيلرسون، أخيراً، السماح لعدد قليل جدّاً من الصحافيين بمرافقته، في جولته الآسيوية التي ينوي القيام بها الأسبوع المقبل. أمر عقّب عليه مقدم البرامج على شبكة «سي ان ان» جايك تابر، واصفاً إياه بالـ»مهين».
وبانتظار الجولة الآسيوية، التي ربّما تشهد بروز نجم تيلرسون وربما لا، وجد عدد من المراقبين أنفسهم مضطرين إلى الخوض في مسألة احتجاب أحد أكثر الأعضاء أهمية في الحكومة، من على الساحة السياسية. ومن هؤلاء ديفيد إغناتيوس، الذي انتقد في مقال في صحيفة «واشنطن بوست»، أمس، «خمول» وزارة الخارجية على مدى الشهرين الماضيين، متحدثاً في الوقت ذاته عن «بداية تيلرسون البطيئة، بشكل مقلق».
انطلاقاً من مشاهداته، وجد إغناتيوس أنه «في حال لم يطوّر تيلرسون حضوره، فإن من المحتمل أن تنتقل إدارة السياسة الخارجية، بشكل متصاعد، إلى ستيفن بانون، الشعبوي المتمرّد الذي يعمل حالياً ككبير استشاريي البيت الأبيض».
إغناتيوس حاول التمحيص في السبب الذي يدفع تيلرسون إلى إيثار عدم الظهور، معتبراً أنه كمدير تنفيذي سابق لشركة «إيكسون موبايل»، «لم يكن معتاداً عالماً لا يوجد فيه ضرورة لإظهار القوة، وحيث يجري قمع السياسة في المكاتب».
مع ذلك، أجمع عدد من المحلّلين على فكرة أخرى محورها أن تأثير تيلرسون المستقبلي في وزارة الخارجية يعتمد على علاقته بالرئيس دونالد ترامب.
وتشارَك روبير جيرفس، في مجلة «فورين بوليسي»، هذه الفكرة مع ديفيد إغناتيوس، الذي رأى بدوره أن هذا الدعم يبدو فاتراً، الأمر الذي ظهر في رفض ترامب لمرشح تيلرسون لمنصب نائب وزير الخارجية، أي إيليوت إيبرامز. هذا الأخير ألقى باللوم على بانون، بأنه السبب في إبعاده، مصرّحاً بأن كبير استراتيجيي ترامب لعب دوراً في تغيير رأي الرئيس، بعدما كان قد أبدى موافقة عليه.
جيرفيس رأى، من جهته، أن دور تيلرسون يتجه إلى المزيد من التقلّص. وانطلق من نظرية أن وزير الخارجية يستمد قوّته من خمسة مصادر، هي أهم من الدستور بالنسبة إليه: دعم الرئيس، النصح والمساندة من المسؤولين في وزارته، الاحترام والتحالفات مع غيره من القادة في الحكومة، وإشادة الإعلام والناس، إضافة إلى التقييم الإيجابي لكفاءته وقوّته من قبل الديبلوماسيين الأجانب. وأوضح جيرفيس أن «هؤلاء الأفراد ــ وهذه المجموعات ــ لا يتصرّفون بشكل مستقل، بل يعتمد بعضهم على بعض ويتفاعلون في ما بينهم من أجل تقوية أو إضعاف الوزير». «عملت هذه الديناميات ضد تيلرسون حتى الآن»، عقّب جيرفيس، الذي أضاف أنه «لا يملك الكثير من الوقت لتحويلها لصالحه».
اقترح جيرفيس حلاً أمام وزير الخارجية، وهو «التعويض عن النقص في هذا الدعم، من خلال الحصول على مساندة قوية من أعضاء وزارته». ولكن في هذا الإطار أيضاً، وجد الطريق مسدوداً، ذلك أن «تيلرسون ضعيف في هذا المجال»، ذلك أنه يبقي مسافة بينه وبين المسؤولين الذين يعملون معه.
قد يكون السخط على ابتعاد تيلرسون قد تضاعف في ظل عدم اهتمامه بتغيير النظرة إليه، عبر الإعلام، ولكن هذا السخط يتصاعد على المستوى السياسي، أيضاً، في ظل تعبير عدد من السياسيين عن أن أداءه، حتى الآن، مخالف للتوقعات. وفي هذا السياق، التفت البعض إلى ما ذكرته مجلة «فورين بوليسي» في أحد تقاريرها، في بداية الشهر الحالي، عن أن وزير الخارجية الأميركي رفض اجتماعاً مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، بل باءت كل محاولات هذه المؤسسة للتواصل معه بالفشل. بناءً على ذلك، أعرب عدد من المسؤولين عن هواجس من أن يكون هذا «الازدراء» انعكاساً لقلّة اهتمام بالمؤسسة الدولية، «التي يجب التقرّب منها في سبيل الحصول على الدعم الدولي للأهداف الأميركية في السياسة الخارجية».
(الأخبار)