وصل التصعيد الدبلوماسي بين تركيا وهولندا إلى مستوى غير مسبوق، أمس، مع إعلان تركيا أنها ستعلّق العلاقات الدبلوماسية على المستويات العليا مع هولندا.

وقال نائب رئيس الوزراء التركي وكبير المتحدثين باسم الحكومة نعمان قورتولموش، بعيد اجتماع لمجلس الوزراء، إنه «تقرّر عدم السماح بعودة السفير الهولندي إلى حين استيفاء الشروط التي طرحناها». وأضاف: «إننا نفعل بالضبط ما فعلوه بنا. نحن لن نسمح لطائرات تقل دبلوماسيين أو مبعوثين هولنديين بالهبوط في تركيا أو استخدام مجالنا الجوي».

وكان قد سبق هذا التطوّر تحذيرٌ لأنقرة، من قبل كل من الاتحاد الأوروبي و«حلف شمال الأطلسي» الذي يضم البلدين، بالتعليق. ويشكل الخلاف نقطة تدهور جديدة في العلاقات بين تركيا وأوروبا، ويقلّص إلى أدنى الحدود فرص إعادة الحوار حول انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي الذي حذر أمس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودعاه في بيان إلى «تجنّب التصريحات النارية» المتعلقة بالأزمة الدبلوماسية بين بلاده وهولندا.
وتابعت تركيا التصعيد أمس، بحديثها عن «إعادة النظر» في الاتفاق الموقّع مع الاتحاد الأوروبي لوقف تدفق المهاجرين إلى أراضيه. وقال وزير شؤون الاتحاد الأوروبي في تركيا عمر تشيليك، إن «على الحكومة التركية إعادة النظر في مسألة العبور البري» التي ينص عليها الاتفاق الموقّع في 18 آذار 2016، والذي أتاح وقف قدوم المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا.
واستدعت أنقرة كذلك القائم بالأعمال الهولندي دان فيدو هويسينغا، للمرة الثالثة، وقدمت له رسالتين موجهتين إلى الحكومة الهولندية، أوضحت فيهما أنقرة أنها تتوقع اعتذاراً مكتوباً، واتهمت أمستردام بخرق البند المتعلق بالدبلوماسية في اتفاقية فيينا.
وانتقدت الملاحظات التي قدمتها الخارجية التركية تعامل قوى الأمن «غير المتكافئ» مع «الناس الذين يستخدمون حقهم للتجمع بشكل سلمي»، في إشارة إلى التظاهرة خارج القنصلية في روتردام السبت. وانتقدت تركيا كذلك طريقة التعامل مع وزيرة الأسرة التركية فاطمة بتول سايان قايا والوفد المرافق، بعدما قامت هولندا بترحيلها إلى ألمانيا، ورأت فيها كذلك انتهاكاً لاتفاقية فيينا.
وتُقابل مطالبات أنقرة بالاعتذار بالرفض من قبل رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي، الذي يخضع لضغوط لاتخاذ موقف قوي تجاه أردوغان، في وقت يواجه فيه مرشح اليمين المتطرف الشعبوي خيرت فيلدرز، غداً، في انتخابات حاسمة ومهمة أوروبياً، على عدم الاعتذار لأنقرة. ورأى روتي أن «عليهم (الأتراك) أن يعتذروا عمّا قاموا به». وأضاف أمس أن هولندا لن تتفاوض مع تركيا أبداً «في ظل التهديد».
في المقابل، قال وزير العدل التركي، بكير بوزداغ، إن بلاده ستقوم «بكل ما هو في وسعها» لمواجهة الموقف الهولندي استناداً إلى القانون الدولي. وأوضح: «لن نسمح لأحد بالتلاعب بشرف الأمة والدولة التركية».
أما نائب رئيس الوزراء التركي، نور الدين جانيكلي، فوصف أوروبا بـ«الرجل المريض بشدة»، في إشارة إلى اللقب الذي استخدم في منتصف القرن الـ19 لوصف الامبراطورية العثمانية المتهاوية. وأضاف «من الآن فصاعداً، سنشهد انهيار أوروبا».
من جهة ثانية، قوبل وصف أردوغان لهولندا بأنها «نازية» بالرفض من دول أوروبية أساسية، إذ قال وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت، أمس، إن ذكر الرئيس التركي للنازية والفاشية خلال خلاف دبلوماسي مع هولندا أمر «غير مقبول». أما برلين، فقد رفضت على لسان المستشارة أنجيلا ميركل تصريحات أردوغان، واعتبرتها مرفوضة تماماً، مشيرة أمام مجموعة من رجال الأعمال، أمس، إلى أن استدعاء الماضي النازي أمر «مضلِّل».
بدوره، دعا الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي»، ينس ستولتنبرغ، تركيا والدول الأوروبية إلى «نزع فتيل الأزمة»، فيما طالب الاتحاد الأوروبي تركيا «بالامتناع عن أي تصريح مبالغ به وأي أفعال من شأنها تصعيد التوتر»، وذلك في بيان تلته وزيرة خارجية الاتحاد فيديريكا موغيريني، ووقّعه المفوّض المكلف بسياسة الجوار في الاتحاد الأوروبي، يوهانس هان.
وأعرب ستولتنبرغ عن «تشجيعه كل الدول الأعضاء على إبداء الاحترام المتبادل وضبط النفس واعتماد مقاربة مدروسة لنزع فتيل التوتر»، مضيفاً أن «وجود الحلف الأطلسي في تركيا جيد لتركيا وأيضاً لأوروبا وسائر الحلف». وقال إن «الأطلسي» يعمل مع الأتراك «لمواجهة العنف والاضطرابات في سوريا وفي العراق... ولدعم التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، لأن ذلك في مصلحتنا».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)