باريس | تجدد الجدل في فرنسا عقب المناظرة الأولى التي جمعت مساء أول من أمس، المرشحين الخمسة الرئيسيين لانتخابات الرئاسة الفرنسية، حول صدقية مراكز استطلاع الرأي وحياديتها. فقد فاجأت نتائج استطلاع أجرته مؤسسة Elabe، بعد ساعتين من المناظرة، معظم المحللين. الاستطلاع اعتبر أن الوزير السابق إيمانويل ماكرون كان «الأكثر إقناعاً» بنسبة 29 في المئة، مقابل 20 في المئة لجان لوك ملنشون، و19 في المئة لمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن. لكن هذه النتائج جاءت مخالفة تماماً لتقديرات معظم المحللين ووسائل الإعلام، التي أجمعت على أن مرشح اليسار الراديكالي، جان لوك ملنشون، اكتسح النقاش.


سيطرة ملنشون على المناظرة لفتت انتباه المحللين على كل القنوات التلفزيونية الفرنسية، حتى الأكثر يمينية منها، كـ BFM TV، خلال الساعة الأولى الموالية للمناظرة. وغلب الانطباع ذاته على الصحف الصادرة صباح أمس، باستثناء «لوفيغارو». فاعتبرت «لو موند» أن ملنشون كان «الأفضل والأكثر تماسكاً»، بينما صنفته صحيفة «لو باريزيان» في الصدارة، متبوعاً بالمرشح الاشتراكي بونوا هامون.
هذا التباين بين تحليلات المختصين وتقديرات استطلاعات الرأي أعاد الى الأذهان التساؤلات التي كانت قد أثيرت حول صدقية مراكز الاستطلاع بسبب عجزها عن رصد الاتجاهات الحقيقية للناخبين خلال استفتاء «بريكست» وانتخابات الرئاسة الأميركية، إذ ساد الانطباع بأن استطلاعات الرأي تحولت من أداة لجس نبض الشارع السياسي إلى وسيلة للتلاعب بالرأي العام ومحاولة توجيهه والتأثير فيه.
تصنيف ماكرون بوصفه الأكثر إقناعاً في هذه المناظرة الرئاسية الأولى (سوف تقام مناظرتان أخريان قبل الدورة الأولى من الاقتراع الرئاسي)، جاء امتداداً لاستطلاعات أخرى وضعته في صدارة المعترك الرئاسي بـ 26 في المئة (مقابل 25 في المئة للوبن و18 في المئة لفيون)، قبل شهر واحد من موعد الانتخابات، وذلك بالرغم من حداثة تجربته والتباس خطابه وغموض برنامجه السياسي.


يزداد المشهد غموضاً لأن 60% من الناخبين لم يحسموا خياراتهم

«فتى روتشيلد» (أي ماكرون)، الذي استقال من حكومة الرئيس الحالي فرنسوا هولاند الصيف الماضي لخوض معركة الرئاسة، بدا ضائعاً ومتردداً، خلال المناظرة، متقلباً بين تأييد مشاريع ملنشون الأوروبية، وإصلاحات فيون التقشفية، ومرافعات لوبن العلمانية. حتى إن هذه الأخيرة سخرت منه، عند منتصف المناظرة، قائلة: «إنني منبهرة بك، فقد استمعت إليك وأنت تتحدث لسبع دقائق متتالية، وأدهشني أنك لم تطرح ولو فكرة واحدة تعكس فكرك وتوجهاتك الخاصة. ولذا، فلا أحد يعرف حتى الآن من أنت حقاً، وماذا تريد بالضبط!». الجملة الساخرة ذاتها استعارها كاتب الافتتاحيات في «لو موند»، فرانك جوهانيس، مضيفا إن «الشيء الوحيد الذي نعرفه بوضوح عن ماكرون هو أنه يريد أن يصبح رئيساً!».
هذا الجدل حول صدقية تصدّر ماكرون في استطلاعات الرأي، واعتباره الأكثر قدرة على هزيمة مارين لوبن، بدأ بإثارة المخاوف من حصول زلزال سياسي غير متوقع. إذ يُخشى أن يسفر الاقتراع عن مفاجآت مغايرة تماماً لتوجهات الاستطلاعات، على غرار ما حدث في استحقاقات رئاسية فرنسية سابقة. ففي عام 2002، كانت استطلاعات الرأي تتوقع أن تدور المنافسة أساساً بين جاك شيراك وليونيل جوسبان، وألا ينال رئيس «الجبهة الوطنية» حينها، جان ماري لوبن، سوى 10 في المئة من الأصوات. لكن زعيم اليمين المتطرف نال ضعف تلك النسبة، ما تسبب في إقصاء المرشح الاشتراكي منذ الدورة الأولى. وكان هامش الخطأ الذي وقعت فيه الاستطلاعات أكثر فداحة في انتخابات الرئاسة لعام 1995، إذ كانت تتوقع أن تنحصر المنافسة بين ليونيل جوسبان وإدوار بالادور، وألا ينال شيراك سوى 5 في المئة من الأصوات. لكن الأخير اكتسح صناديق الاقتراع، وحل في المنزلة الأولى بنسبة 26 في المئة.
المشهد الانتخابي الحالي يزيده غموضاً أن 60 في المئة من الناخبين الفرنسيين لم يحسموا بعد خياراتهم بشكل نهائي، وهو أمر غير معهود قبل أربعة أسابيع فقط من موعد الاقتراع. وفضلاً عن ذلك، هناك 28 في المئة ممن لم يحسموا أصلاً قرارهم بالمشاركة في هذه الانتخابات أو مقاطعتها!
لا شك أن هذا التذبذب جاء انعكاساً لظاهرة «المكنسة الانتخابية» التي قلبت الطاولة على كل السيناريوات التي كانت مرسومة سلفاً. فقد أقصي نيكولا ساركوزي، ثم آلان جوبيه، في الانتخابات التمهيدية لليمين والوسط. ثم اضطر هولاند إلى عدم الترشح لولاية ثانية، مفسحاً المجال لرئيس حكومته السابق مانويل فالس. لكن الأخير انهزم في الانتخابات التمهيدية لليسار أمام مرشح لم يتوقعه أحد، وهو بونوا هامون. ثم جاءت الفضائح المالية لتقلب موازين القوى، مرة أخرى، حيث عصفت بطموحات فيون، الذي ساد الاعتقاد بأنه وضع رِجلاً أولى في قصر الإليزيه، حين انتصر على ساركوزي وجوبيه في تشرين الثاني الماضي.
هذه التقلبات المتتالية جعلت نسبة الناخبين المترددين تبلغ أرقاماً قياسية، ما جعل هامش الخطأ في الاستطلاعات يتحول إلى هوة سحيقة بات من المستحيل حيالها التنبؤ بالمرشحَين اللذين سينجحان في افتكاك تأشيرة المرور إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية (في نيسان). لكن المسلّم به أن «الناخبين المترددين» ينتهي بهم الأمر في الغالب للتصويت لمصلحة «مرشحي الأطراف» الأكثر راديكالية، الأمر الذي سوف يقوي حظوظ لوبن وملنشون وهامون، على حساب المرشحين الأكثر فتوراً، مثل فيون وماكرون.