تصاعَدَ الخلافُ التركي ــ الأوروبي مع دخول الأزمة بين الطرفين في عناوين جديدة، فيما أعلن حليفٌ سياسي للمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، يوم أمس، أن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، لم يعد موضع ترحيب في البلاد، مشيراً إلى حديث إردوغان الذي قال فيه إن التصويت بـ«نعم» في الاستفتاء المرتقب الشهر المقبل هو أفضل ردّ على أوروبا «الفاشية القاسية». ورأى رئيس وزراء ولاية هيسه الألمانية، فولكر بوفير، أن إردوغان «تجاوز الحد بمقارنة حكومة ألمانيا بالنازيين».


ويعكس هذا الانتقاد السخط المتزايد من ترديد إردوغان أن ألمانيا وقوى أوروبية أخرى تستخدم أساليب النازيين لمجرد حظرها التجمعات السياسية للأتراك على أراضيها. وبوفير هو نائب رئيس حزب «الاتحاد الديموقراطي المسيحي» الذي تتزعمه ميركل، وقد قال لمحطة «دي إل إف» الإذاعية، إن «الكيل طفح... السيد إردوغان وحكومته غير مرحب بهم في بلادنا، ويجب فهم ذلك الآن».
يأتي ذلك في وقت ذكرت فيه وسائل إعلام ألمانية أن إردوغان يعتزم زيارة برلين هذا الشهر لحشد تأييد نحو 1.4 مليون ناخب تركي هناك لحزمة تعديلات دستورية تضيف صلاحيات رئاسية جديدة، وذلك في استفتاء موعده السادس عشر من الشهر المقبل، فيما رأى بوفير أن مثل هذه الزيارة ستؤدي إلى مشكلات أمنية، مضيفا: «شخص يهيننا بهذه الطريقة ليس عليه أن يتوقع أن نجمع آلاف أفراد الشرطة لحمايته».
في غضون ذلك، نفت الحكومة الألمانية تلقيها أي طلب رسمي لزيارة إردوغان بعد، علماً بأن الأخير كرر خلال تجمع في أنقرة، أمس، انتقاده الاتحاد الأوروبي، قائلا إن أوروبا «هذه هي، كما كانت قبل الحرب العالمية الثانية، عنصرية وفاشية وقاسية»، مضيفا أنها «أوروبا المعادية للإسلام وللأتراك». وأمام الحشود، التي تجمعت في إطار حملة الاستفتاء، أضاف الرئيس التركي أن بلاده لم تعد تتقبل ضغوطا لاعتبارات مثل اتفاق المهاجرين، الذي تم التوصل إليه لمنع المهاجرين غير الشرعيين من العبور إلى اليونان مقابل مساعدات مالية وتسريع محادثات العضوية في الاتحاد الأوروبي.
أيضاً، ازداد التصعيد الألماني ــ التركي مع إعلان منظمة مؤيدة لإردوغان أمس، أن أنقرة قررت إلغاء كل التجمعات في ألمانيا بشأن الاستفتاء. وقالت متحدثة باسم «خلية التنسيق» في كولونيا التابعة لـ«حزب العدالة والتنمية»، إنه قد «تم إلغاء كل الفعاليات المرتقبة لاحقاً»، موضحة أن هذا القرار «اتخذ في أنقرة». يأتي ذلك بعدما هددت ميركل، أول من أمس، بمنع السياسيين الأتراك من تنظيم أي تجمعات انتخابية على الأراضي الألمانية في حال لم تتوقف أنقرة عن وصف مسؤولي بلادها بـ«النازية».
في المقابل، برّر نائب رئيس الوزراء التركي، نعمان قورتولموش، استخدام تركيا «الاستعارات بشأن الفاشية» لخشيتها من أن «تنسى الدول الأوروبية تاريخها، وتسقط في فخ النازية مرة ثانية». وكان إردوغان أيضاً قد توجه بالحديث أول من أمس، إلى ميركل، قائلاً إنها الآن تنتهج «أساليب النازيين ضد أشقائي المقيمين في ألمانيا، وضد وزرائي ونوابي الزائرين».
بالإضافة إلى ردّ ميركل، حثّ راينر هاسلوف، وهو عضو في «الائتلاف المحافظ» الذي تتزعمه المستشارة الألمانية، على منع زيارات السياسيين الأتراك. وقال هاسلوف في صحيفة «دي فيلت» أمس، إن «كل رجل دولة يريد مناقشة شيء معنا مرحب به كضيف، وسيلقى الترحيب بالبروتوكول الديبلوماسي الملائم، لكن ذلك لا يشمل الحملات (الانتخابية) ولا يشمل بالأخص أشخاصا يشوهوننا كأمة».
كذلك، شدد على أن «هؤلاء الذين يقارنوننا بالنازيين غير مرحب بهم، هذا غير مقبول»، مضيفا: «لا يجب لبرلين أن تعتمد على حكومات محلية أو حكومات الولايات في اتخاذ قرارات بشأن زيارات الساسة الأتراك كما فعلت حتى الآن».


لا يزال الوضع متوتراً في روتردام حيث تعيش أقلية تركية كبيرة

من الجانب الأوروبي، قال مفوض الاتحاد الأوروبي يوهانس هان، إن آفاق انضمام تركيا إلى الاتحاد «ستكون غير واقعية على نحو متزايد» ما لم تغير أنقرة مسارها وتتوقف عن الابتعاد عن القيم الأوروبية. وأضاف هان، في حديث إلى صحيفة «بيلد» أمس، أن الاتحاد الأوروبي عبّر مرارا عن مخاوفه بشأن «المسار السلطوي المتزايد للرئيس إردوغان»، مبينا أن «التهديدات لا تصنع السياسات بأي حال من الأحوال، لأنها تجعل الحوار المنطقي مستحيلاً».
إلى ذلك، دعا رئيس بلدية روتردام، أحمد أبو طالب، سكان المدينة الهولندية ذوي الأصول التركية إلى الهدوء، وذلك بعدما شهدت روتردام تظاهرة موالية لتركيا غير مصرح بها حدثت خلالها أعمال عنف قبل عشرة أيام، واضطرت الشرطة آنذاك إلى استخدام الكلاب والخيول وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين. وقال أبو طالب، في مقابلة مع صحيفة «ألغيمين داغبلاد» الهولندية أمس، إن «الوضع لا يزال متوترا جدا»، داعيا إلى «الحفاظ على الهدوء». وتابع أنه لا ينكر أو يطعن «في ولاء أتراك روتردام لتركيا»، لكن «ما لا نرغب فيه أن يحدث ذلك اضطرابا في المجتمع المحلي».
وتتصاعد التوترات بين ذوي الأصول التركية، الذين يشكلون أقلية كبيرة من سكان هولندا، منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة للإطاحة بإردوغان في تموز الماضي، إذ وردت شكاوى بمضايقات ضد مؤيدي ومعارضي إردوغان على حدّ سواء.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)