بأي نظر، قانوني أو أخلاقي، لم تكن استقالة ريما خلف من منصبها الأممي على خلفية تقرير أشرفت عليه دان إسرائيل بـ"الفصل العنصري"، حدثاً اعتيادياً مما يُنسى في اليوم التالي.

تحرك شيء إنساني صريح في أدلته وثابت باستنتاجاته في تقرير حمل اسم لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، التي تعرف اختصاراً بـ"الأسكوا"، يقول إن هناك شعباً بأكمله يتعرض للتنكيل العنصري حيث الصمت شبه كامل والتواطؤ شبه معلن والسياق العام ينبئ بتنازلات جديدة تقوّض ما تبقى من القضية الفلسطينية.

التقرير استعاد روح القرار الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام (١٩٧٥) باعتبار الصهيونية شكلاً من العنصرية مثل "الأبارتهايد" في جنوب أفريقيا قبل أن يلغى عام ١٩٩١ باسم تهيئة الأجواء للتسوية السياسية.
كان ذلك القرار الأممي بوصم الصهيونية بالعنصرية أهم إنجاز دبلوماسي وقانوني حازه العرب منذ نكبة ١٩٤٨، فهو ينزع أي شرعية عن الدولة العبرية ويدمغها بتهمة لا سبيل إلى الإفلات من قبضتها، لكنه ألغي بالتخاذل.
كانت إسرائيل تدرك بأكثر من النظم العربية أن الهزيمة الأخلاقية تؤسّس للهزيمة السياسية مهما طال الوقت. مزق مندوبها في الأمم المتحدة حاييم هيرتسوغ، رئيسها فيما بعد، القرار من فوق منصة الجمعية العامة واعتبره تحريضاً على "كراهية إسرائيل".
بذات الحجة تحركت آلة الضغوط الأميركية والإسرائيلية لإجبار الدكتورة ريما خلف، الأمينة التنفيذية لـ"الأسكوا"، على سحب التقرير، غير أنها لم تتراجع واستقالت من منصبها.
في الاختبار الأخلاقي لم يصمد الأمين العام الجديد للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس، لتلك الضغوط، تبرأ من التقرير وقال إنه لم يجزه ولا يعبر عنه، فيما ذهبت خلف إلى آخر المشوار وكشفت حجم الضغوط عليها، وتركت غوتيريس في عراء الحقيقة، رجلاً يستسلم لإملاءات القوة ولا يعير التفاتاً لأي معنى قانوني أو قيمة إنسانية.
موقف غوتيريس يذكر بسلفه الراحل الدكتور بطرس غالي، فقد خضع للاختبار نفسه وقت مجزرة قانا عام ١٩٩٦ التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية. تحمّل غالي مسؤولية تقرير أممي دان المجزرة كجريمة ضد الإنسانية ودفع الثمن بعدم التجديد له لولاية ثانية كأمين عام للأمم المتحدة على ما جرت العادة.
بغض النظر عن أي انتقادات جدية لمواقف غالي من اتفاقيتي "كامب ديفيد"، إلا أن ثباته على إدانة مجزرة قانا كان مسك ختام مسيرته الدبلوماسية الطويلة.
‫"‬أجد نفسي غير قابلة للضغوط التي تمارس عليّ وأؤمن أن التمييز على أساس البشرة أو الدين أو العرق غير مقبول. استقلت لأنني أرى أن واجبي ألا أكتم شهادة حق عن جريمة ماثلة". هكذا خرجت ريما خلف من منصبها الأممي بكلمات تبقى في ذاكرة التاريخ.
لقد كانت هذه المرة الأولى منذ ربع قرن التي تدمغ إسرائيل بالعنصرية في إحدى وثائق الأمم المتحدة وفق أدلة تثبت ضلوعها في ممارسة هندسة ديموغرافية ضد الفلسطينيين حتى تكون دولة يهودية مبرأة من أي تنوع عرقي أو ديني.
أرجو أن نتذكر ما كتبه المفكر اللبناني الراحل كلوفيس مقصود، عن ريما خلف، في مذكراته "من زوايا الذاكرة": "أنها تتحلى بقدرات عالية في التجديد والابتكار والانضباط، كما بالقدرة على التواصل وتوليف الأفكار بلغة تشد القارئ من دون تجاوز الضوابط التي تتميز بها تقارير الأمم المتحدة"... "إنها تدرك تماماً ما يمكن قوله وما لا يمكن".
تلك الشهادة تكتسب خصوصيتها من أنه هو الذي قدم نائبة رئيس الوزراء الأردني الأسبق إلى العمل الأممي.
المعنى أنها تدرك أن ما أقدمت عليه مما لا يمكن قوله بموازين القوة في المنظمة الدولية لكنها تحملت مسؤوليته بحسابات الضمير والحقيقة.
غير أن القضية بعد ذلك تتجاوز ما هو أخلاقي وحقوقي إلى وقائع وتطورات تومئ إلى احتمالات تصفية القضية الفلسطينية كلها.
هناك تحركات واجتماعات، بعضها غير معلن والآخر مسرب، تحاول ترتيب المسرح الإقليمي لدمج إسرائيل فيه بلا تخل عن أرض محتلة، أو اعتراف بأي حقوق.
لم يكن "حل الدولتين" جدياً منذ توقيع اتفاقية "أوسلو" منتصف تسعينيات القرن الماضي بالنظر إلى السياسات الإسرائيلية في التوسع الاستيطاني وهضم أراضي من الضفة الغربية والعمل على تهويد القدس والسعي لـ"يهودية الدولة".
اللعبة صممت من البداية على أن يقتصر الدور الوظيفي لـ"السلطة الفلسطينية" على ضمان الأمن الإسرائيلي، أو أن يكون الاحتلال بتكاليف منخفضة.
تمددت جولات التفاوض بغير أفق سياسي، أو مدى زمني، حتى وصلنا إلى التنازلات المجانية وأحاديث الأحلاف العسكرية، التي تشمل ضمناً إسرائيل.
اغتيل ياسر عرفات بالسم، ووجد خليفته محمود عباس، الذي يوصف بأنه "عراب أوسلو"، نفسه شبه محاصر لا يملك أن يغادر رام الله إلا بختم إسرائيلي على جواز سفره ــ كما قال متألماً من المهانة التي يتعرض لها.
سألني: "قل لي ماذا أفعل؟".
ـ "تحلل من أوسلو وحل السلطة الفلسطينية".
المعنى أن تعرض القضية على العالم دون أوهام كشعب تحت الاحتلال من حقه أن يقاوم وفق القوانين الدولية.
قال: "أوافق على مثل هذا الخيار، لكنه لم يأت وقته".
لم يعد هناك الآن أي أعذار لعدم الإقدام على مثل هذه الخطوة، فإذا لم يدافع الفلسطينيون عن قضيتهم فإن خسارتها سوف تكون نهائية.
التفاهم الأميركي الإسرائيلي الجديد ينسخ أي احترام للقرار الذي أصدره بما يشبه الإجماع مجلس الأمن الدولي بإدانة الاستيطان الإسرائيلي.
كل ما طلبه ترامب أن تتباطأ عملية بناء المستوطنات، وهذه مسألة متروكة لتقديرات نتنياهو، كما أكد عزمه نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة دون أن يعلن موعداً أخيراً خشية ردات الفعل والعواقب.
بالتحلل الكامل من أي قوانين والتزامات دولية أفسح المجال للوم الضحية الفلسطينية باتهامات تنسب إليها تبنى خطاب "الكراهية" وتهديد الأمن الإسرائيلي.
في قلب الحقائق وصفت السفيرة الأميركية في مجلس الأمن نيكي هايلي، أشد الممارسات عنصرية في التاريخ الحديث بـ"الهوس بإدانة إسرائيل".
أين الهوس بالضبط؟
هل التزام الحقيقة والانتصاف للضحايا هوس؟
إن الكلام الأميركي الجديد عن "حل الدولة الواحدة" يعني تماماً "الدولة اليهودية" لا "الدولة الديموقراطية العلمانية" على ما تبنت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وتنظيمات فلسطينية أخرى منذ سبعينيات القرن الماضي.
إذا ما مضى هذا السيناريو لآخره فإنه قد يدفع إلى أكبر وأخطر عملية تطهير قومي وعرقي منذ النكبة.
الغريب أن هناك من يتقبل أولوية التطبيع الإقليمي ــ الاستراتيجي والاقتصادي ــ مع إسرائيل دون أي تنازلات من أي نوع في مسألة الأراضي.
ذلك يلغي نهائياً المبادرة العربية، التي نصت على تطبيع كامل مقابل الانسحاب الشامل من الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧.
بل إن نتنياهو طلب من ترامب دعمه لضم هضبة الجولان السورية، وهو سيناريو إضافي ينتظر الخرائط الجديدة المحتملة بعد انتهاء الحرب على "داعش".
رغم نفي نتنياهو ما صرح به أحد وزرائه من أنه طرح على ترامب إقامة دولة فلسطينية في سيناء، فإن مثل ذلك السيناريو ماثل بجدية في مراكز الأبحاث وصنع القرار في إسرائيل.
لا يجب الاستخفاف به ولا بمشروع "البديل الأردني" ولا الكلام عن تهجير فلسطيني إلى العراق.
كل شيء محتمل في أوضاع عربية مزرية وإذا لم يدافع العرب عن قضاياهم فإن أحداً آخر لن يدافع عنهم بالنيابة.
استقالة ريما خلف برمزيتها وسياقها احتجاج على الصمت حيث الكلام لازم رهاناً على قوة الضمير في مواجهة غلبة القوة.