لا تزال لندن تعيش صدمة الهجمة الإرهابية التي ضربت قلب المدينة السياسي أول من أمس، حيث قام رجل يُدعى خالد مسعود (52 عاماً)، بهجوم أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص؛ بينهم شرطي ومواطن أميركي على بعد أمتار قليلة من قصر ويستمنستر حيث مقر البرلمان البريطاني، وجرح أربعين شخصاً، وهو العمل الذي يتبناه تنظيم «داعش» للمرة الأولى في المملكة المتحدة.


والاعتداء الذي وقع بعد عام على اعتداء مطار بروكسل، يشكل أول اختبار أمني صعب لحكومة تيريزا ماي، ويدفع إلى طرح أسئلة أمنية وسياسية في البلاد.
وبعدما أدانت ماي «الاعتداء الدنيء» وأكدت أن «قوى الشر لن تقسمنا»، حاولت رئيسة الوزراء البريطانية الإجابة عن بعض الاستفهامات التي تلت الهجوم، إذ أكدت في كلمة أمام المشرعين، قبل الإعلان عن هوية المعتدي، أن منفذ الهجوم مولود في بريطانيا وكان معروفاً لدى وكالة الأمن الداخلي البريطانية أو «أم آي 5»، حيث تم استجوابه «قبل بضع سنوات» في ما يتعلق «بمخاوف من عنف المتطرفين». لكن المنفذ لم يكن ضمن «دائرة الاهتمام الأمني الحالية»، كما أكدت ماي، فقد كان «شخصية هامشية وقضيته قديمة»، في ظل عدم وجود معلومات سابقة عن نياته أو عن خطة يدبرها، موضحة أنه «سنعلن هويته عندما تسمح اعتبارات العمل».
ولم تكشف الأجهزة الأمنية البريطانية عن هوية منفذ الاعتداء إلا حتى بعد ظهر أمس، إذ قالت إن مسعود ولد في مدينة كنت في جنوب شرق إنكلترا ولم يكن موضع «أي تحقيق»، برغم أنه أدين مراراً بتهمة «حيازة أسلحة». ومسعود الذي قتلته الشرطة كان يعيش في منطقة ويست ميدلاندز التي تضم مدينة برمنغهام، حيث نفذت الشرطة المسلحة عملية مداهمة ليل الأربعاء ــ الخميس.


أحبطت الاستخبارات البريطانية 12 خطة إرهابية خلال ثلاث سنوات

من جهة ثانية، وعن مستوى التهديد الإرهابي، أكدت رئيسة الوزراء البريطانية أنه تم تحديده «في بريطانيا منذ فترة عند مستوى الخطر الشديد، وهذا الأمر لن يتغير». ومنذ آب 2014، رفع مستوى الإنذار إلى الدرجة الرابعة في سلّم من خمس درجات. لكن لندن لم تعرف هجوماً عنيفاً مثل هذا منذ الاعتداءات الانتحارية التي وقعت في السابع من تموز 2005، وتبناها مؤيدون لتنظيم «القاعدة»، وقد أسفرت حينذاك عن سقوط 56 قتيلاً في وسائل النقل المشترك في لندن. ومنذ ثلاث سنوات على الأقل، أحبطت الاستخبارات البريطانية 12 خطة إرهابية، وفق «الغارديان»، رغم فشلها في منع هجوم أول من أمس. وذكرت الصحيفة أنه رغم ذلك، فإنّ الهجوم كان متوقعاً، مشيرة إلى قول مدير وكالة الأمن الداخلي، أندرو باركر، في تشرين الثاني الماضي: «سوف يقع هجوم إرهابي في هذا البلد». لكن تقرير الصحيفة البريطانية ذكر أنه برغم توقع وقوع مثل هذه الاعتداءات المنفردة، فإن تفاديها أمر صعب، وخصوصاً أن منفذيها لا يكونون عموماً جزءاً من تنظيم، وغالباً ما يقومون بخطوتهم بقرار شخصي. وقد حصل ذلك سابقاً في فرنسا وألمانيا، ففي العام الماضي قتل 84 شخصاً في نيس و12 شخصاً في برلين بهجومين نفذا بآليتين دهستا الحشود.
ووضعت «الغارديان» الاعتداء في إطار ما ذكره مدير الاستخبارات البريطانية، ألكس يونغر في كانون الأول الماضي، وهو أن «داعش» وضع خططاً لاعتداءات منظمة «بشدة» بهدف ترحيل «العنف» إلى المملكة المتحدة وحلفائها من دون أن يضطروا إلى مغادرة سوريا.
وقد تبنى «داعش» اعتداء لندن عبر وكالة «أعماق» التي نقلت عن «مصدر أمني» أن «منفذ هجوم أمس (الأربعاء) أمام البرلمان البريطاني في لندن هو جندي للدولة الإسلامية ونفذ العملية استجابة لنداءات استهداف رعايا دول التحالف» الدولي، الذي تقوده واشنطن في سوريا والعراق.
وتصدرت صدمة الاعتداء عناوين الصحف البريطانية، فوصفته صحيفة «دايلي ميرور» بأنه «اعتداء ضد الديموقراطية»، فيما رفض مقال في «الغارديان» الاستغلال «السياسي» من قبل «اليمين» لهذا الاعتداء. وأشار مقال إلى تغريدة دونالد ترامب جونيور التي انتقد فيها، أمس، رئيس بلدية لندن صادق خان، بسبب تصريح قال فيه قبل ستة أشهر إن الخطر الإرهابي هو جزء من الحياة اليومية في المدن الكبيرة. خان الذي رفض الرد المباشر على ابن ترامب، قال إنه سوف يتم نشر قوات شرطة إضافية في شوارع المدينة للحفاظ على سلامة سكان لندن والزائرين. وأضاف: «نقف معاً في وجه من يسعون إلى الإضرار بنا وتدمير أسلوب حياتنا.... لن يخاف اللندنيون أبداً من الإرهاب».
وفي تفاصيل الهجوم، قام المهاجم بداية بدهس عدد من المشاة بسيارته على جسر ويستمنستر المؤدي إلى مقر البرلمان وإلى برج ساعة بيغ بين، وترجل بعدها من سيارته وطعن شرطياً بسكين أمام مقر البرلمان المجاور للجسر. وسارعت قوات الشرطة في المكان إلى إطلاق النار على المهاجم، ما أدى إلى جرحه ومقتله.
وبعد الهجوم، أكد قائد وحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة البريطانية، مارك راولي، أنه تم «توقيف سبعة أشخاص في ستة مواقع مختلفة في لندن وبرمنغهام (وسط) وغيرهما». ونقلت شبكة «بي بي سي» أن السيارة التي استخدمها المنفذ لدهس المارة على جسر ويستمنستر مؤجرة في برمنغهام. وتوصف برمنغهام على أنها «مركز للإسلاميين البريطانيين» وسبق أن أقام فيها محمد عبريني، أحد منفذي اعتداءات بروكسل وباريس، قبل الاعتداءين.
وفيما بقيت محطة ويستمنستر للمترو مغلقة، وشهدت لندن انتشاراً لكثير من الشرطيين الإضافيين، أمس، غرد النائب المحافظ نايجل هادلستون أنه «كالآلاف من العاملين هنا، سأتوجه إلى البرلمان كالعادة. لكن الأعلام المنكسة تكشف أن هذا اليوم لن يكون كسائر الأيام».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)