لم تكن الدراسة التي قدمتها منظمة «إسكوا؛ الأسبوع الماضي في بيروت، والتي وصفت إسرائيل بأنها نظام فصل عنصري بحق الفلسطينيين، وليدة ساعتها ــ ولا محاولة من ريما خلف، أمينتها العامة المستقيلة، لكسب الشهرة في نهاية وظيفتها؛ إنما تمت بناءً على سلسلة من القرارات الوزارية والتنفيذية والمراحل والإجراءات على مستوى «إسكوا» والأمم المتحدة في نيويورك، ومع مراجع حقوقية مرموقة.


يمكن شرح تسلسل عملية إنتاج التقرير، الذي يدين العنصرية الإسرائيلية، بالعودة إلى الوقائع التي جرت على مدى أعوام. ففي ١٨ أيلول ٢٠١٤، تبنت «إسكوا» في قرارها الوزاري الرقم ٣١٦ ما يدين «ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وسياساته في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تصل إلى حد الفصل العنصري» ــ كما ورد حرفياً فيه.
وفي الاجتماع الذي عقد على مستوى اللجنة التنفيذية، في عمان بين ٨ و٩ حزيران ٢٠١٥، طلبت الدول الأعضاء في «إسكوا» من الأمانة العامة للأمم المتحدة «إعداد دراسة مفصلة حول ممارسات إسرائيل وسياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإمكانية تسميتها في ممارسات فصل عنصرية».
وفي الاجتماع الثاني للجنة التنفيذية، الذي عقد في ١٤ و١٦ كانون الأول ٢٠١٥، تابعت الدول الأعضاء القضية، وطلبت من الأمانة العامة «تقديم نتائج الدراسة حول إمكانية اعتبار السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالفلسطينيين تمييزاً عنصرياً كما يحددها القانون الدولي، وحول ما يترتب على التوصيات بالنسبة إلى الدول الأعضاء خلال الدورة التاسعة والعشرين للإسكوا».
في غضون ذلك، قدمت «الإسكوا» الخلاصات الأولية للدراسة إلى الدورة الوزارية التاسعة والعشرين. وبناءً على ما جاء فيها، صدر القرار ٣٢٦ (٢٩) في ١٥ كانون الأول ٢٠١٦، الذي طلب من الأمانة «نشر نتائج الدراسة، التي تعتبر سياسات إسرائيل حيال الفلسطينيين كتمييز عنصري، على نطاق واسع؛ بتوزيعها على الدول الأعضاء، وعلى التنظيمات الوطنية والإقليمية والدولية وعلى المؤسسات الإعلامية، وبتنظيم نشاطات وإصدار مواد إعلامية تتعلق بها».
وقد شارك في مراجعة خلاصات الدراسة، التي نشرت الأسبوع الماضي كل من: جون دوغارد، وهو أستاذ القانون في مركز حقوق الإنسان في جامعة بريتوريا، وأوبندا باكسي، أستاذ القانون في التنمية في جامعة ووريك في المملكة المتحدة، وجورج بشارة، وهو أستاذ القانون في جامعة هاستنغز كولدج للحقوق في كاليفورنيا، في سان فرنسيسكو.
في النتيجة، لا يصح القول إن التقرير الذي صدر ورفضه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لم يراع أصول التشاور الإجرائية المتبعة في المنظمة، بل لم يكن وليد ساعته، ولا كان مرتجلاً أو يفتقر إلى السند القانوني من أعلى المراجع الدولية. كما أنه لم يتجاوز ما ورد في الكتاب الذي أصدره الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، عام ٢٠٠٦، الذي وصف فيه النظام الإسرائيلي بأنه أكثر تطرفاً من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
الواقع يقول إن غوتيريش، الذي وصل إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة في تزامن مع فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأميركية، وجد نفسه في حالة رهاب من أي انتقاد لإسرائيل، مهما كان سنده القانوني أو الدولي، وخاصة أن ترامب أشار صراحة في حملته الانتخابية إلى أنه لن يقبل أي انتقاد من الأمم المتحدة لإسرائيل وممارساتها، بما في ذلك بناء المستوطنات رغم أنها منافية للقانون الدولي وللقرار ٢٣٣٤ الذي صدر في نهاية عهد سلفه باراك أوباما.
كذلك، يهدد ترامب، تحت ذريعة إصلاح الأمم المتحدة، بتقليص مساهمات بلاده في المنظمة الدولية، وهي المساهم الرئيسي على المستويين التعاقدي والطوعي. هنا تذرع غوتيريش بأن التقرير صدر من دون أن يعرض عليه كما تجري العادة.