لكأن مراحل الـ"بريكست" لا تنتهي. في الـ23 من حزيران 2016، صوّت 51.9 في المئة من البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي، لتبدأ بذلك صولات من الأخذ والرد في الداخل البريطاني، رافقتها عمليات تصويت في مجلسي اللوردات والعموم، وانتهت أخيراً في شباط الماضي بالتوصل إلى اتفاق على تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، في 29 آذار.


اليوم ظهراً، ترسل رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي رسالتها إلى رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك تخبره فيها بأن بريطانيا ستترك الاتحاد الأوروبي. وفيما تفتح ماي الباب على طريق الخروج الفعلي من الاتحاد الأوروبي، فإنها تُقبل أيضاً، مع حكومتها، على مرحلة جديدة من التفاوض، تتخلّلها الكثير من الهواجس الاقتصادية والسياسية؛ ليس أوّلها تحديد طبيعة العلاقة المستجدة والمستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، ولا آخرها الخضّات السياسية المرتقبة استناداً إلى نزعة إسكتلندا الانفصالية، والتي نتج منها أمس قرار البرلمان الاسكتلندي إجراء استفتاء ثانٍ على الاستقلال عن المملكة المتحدة، بدافع الظروف الجديدة التي يفرضها "بريكست".
ومع ما يمثّله يوم 29 آذار من مفصل تاريخي في السياسة والاقتصاد البريطانيين، كان لا بدّ أن يثير الكثير التساؤلات لدى المهتمين والمراقبين، عبّر عن بعضها آشلي كيرك في تقرير في صحيفة "ذي ديلي تيلغراف"، حيث أكد أن المفاوضات ستكون صعبة ومعقّدة، مستنداً إلى واقع أنها "تغطي كل شيء، انطلاقاً من الصيد والزراعة وصولاً إلى التجارة والهجرة، عبر القارة الأوروبية". كيرك يلفت إلى أنه سيكون على تيريزا ماي "من خلال التفاوض على هذه المواضيع، أن تُحدث توازناً بين حاجات الخارجين والباقين"، ما سيكون صعباً في ظل التعنّت الذي يبديه الطرفان في مسائل عدة.
وبحسب كيرك، سيكون على ماي مهمة صعبة تبدأ بالعمل على محاربة الهجرة، "التي كانت من الأسباب التي أدت إلى التصويت على خروج بريطانيا"، مروراً بترسيخ فكرة "السيادة" التي لعبت دوراً محورياً خلال حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، ووصولاً إلى معالجة الهواجس التي تتعلق بالاقتصاد.


سيكون الأهم بالنسبة إلى تيريزا ماي الحفاظ على وحدة بلادها

الكاتب يشير إلى أهمية بريطانيا كجزء من الاتحاد الأوروبي، موضحاً أنها تتمتّع بالقدرة على التجارة الحرة ضمن سوق مؤلّفة من 500 مليون شخص، ما يعني أن هناك مخاوف من أن يؤدي الخروج النهائي من الاتحاد الأوروبي إلى بطء اقتصادي. لكنه على الرغم من ذلك، يلفت إلى عجز تجاري نتج من تصدير بريطانيا منتجات وخدمات إلى الاتحاد الأوروبي، في عام 2016، بمقدار 142.7 مليار جنيه استرليني، في حين استوردت ما مقداره 236.7 مليار جنيه استرليني، ما يعني عجزاً يقدّر بحوالى 94 مليار جنيه استرليني.
من هذا المنطلق، يرى الكاتب أن الحكومة تأمل في أن تُجري صفقات تجارة حرة مع دول من خارج أوروبا. وبينما يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر سوق للتجارة بالنسبة إلى بريطانيا، تعدّ كل من الولايات المتحدة والصين من الشركاء المهمين في هذا المجال، وستكونان من المناطق التي ستفعّل تيريزا ماي معها العلاقات.
أما خارج هاتين المنطقتين، فقد حصلت ماي على دعم مالي، أمس، بعدما أعلنت قطر التزامها باستثمار خمسة مليارات جنيه استرليني (6,23 مليارات دولار، 5,8 مليارات يورو) في الاقتصاد البريطاني، خلال خمس سنوات. وسيبدد هذا الإعلان مخاوف المستثمرين الأجانب، الذين يفكرون في مغادرة بريطانيا عند خروجها من الاتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة، الأمر الذي تعتبره ماي خطوة ضرورية لضبط الهجرة.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى حيثية أخرى تترافق مع المفاوضات على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي أن الحكومة البريطانية سبق أن كررت إصرارها على التفاوض على اتفاق تجاري، في الوقت الذي تجري فيه التفاوض وفق المادة 50. ويواجه هذا الاتجاه معارضة من دول أوروبية، تميل إلى إجراء المحادثات بالتتابع، أي الانتهاء من الخروج البريطاني، قبل التطلّع إلى المستقبل التجاري.
انطلاقاً ممّا تقدّم، يشير الأستاذ الجامعي أناند مينون مدير مبادرة UK in a changing Europe (بريطانيا في أوروبا متغيّرة) إلى إعلان تيريزا ماي أنها تنوي تحديد "شراكة جديدة وإيجابية" بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، معتبراً أن "هذا الأمر هو عبارة عن طموح، غير واقعي".
ويقول، في مقال في صحيفة "ذي إندبندنت"، إنه "حتى لو سلّمنا جدلاً بأن الدول الأعضاء ستكون منفتحة على الخضوع لرغبة بريطانيا في مناقشة صفقات تجارية جديدة، في الوقت الذي يجري فيه التفاوض على المادة 50، إلا أن ذلك لن يكون متاحاً".
مينون يلمّح إلى أن إجراءات الخروج ستطول، ولن تقتصر على عامين أو 18 شهراً، كما كانت ماي قد أعلنت ذات مرة. وهو في هذا الإطار، يتطرّق إلى واقع أن "المادة 50 تمنح فقط عامين من أجل التوقيع على الاتفاقات"، متسائلاً: "ماذا بشأن التوقف عن التفاوض بسبب أي انتخابات، أو بسبب ما هو غير متوقع، وأيضاً بسبب الأزمات ضمن منطقة اليورو، أو الهجرة، أو غيرها".
ويضيف: "حتى الطلاق سيكون مثيراً للعجب إذا حصل في وقت كهذا. لذا، فإن التوافق على اتفاق تجاري شامل سيكون معجزة".
أخيراً، سيكون الأهم بالنسبة إلى تيريزا ماي الحفاظ على وحدة بلادها، فقد صوّتت كل من إسكتلندا وإيرلندا الشمالية على البقاء في الاتحاد الأوروبي. وأدى تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق الوزيرة الأولى نيكولا ستورجن، زعيمة "الحزب الوطني الإسكتلندي"، حملة داعية إلى الاستقلال، بحجة أن لندن ترغم إسكتلندا على الخروج من الاتحاد الأوروبي خلافاً لإرادتها.
ورغم تأكيد ماي أنها ستسعى إلى الحصول على أفضل اتفاق "بريكست" للجميع في بريطانيا، بما في ذلك اسكتلندا، إلا أنها لم تتمكن من إقناع "الحزب الوطني الإسكتلندي" الذي يحذّر من التبعات السلبية للخروج من الاتحاد الأوروبي.
ماي أعلنت، أول من أمس، خلال زيارتها لاسكتلندا، أن الحفاظ على الوحدة يعدّ أولوية ضمن مفاوضاتها. وقالت إنها ستسعى لبناء "أمة أكثر اتحاداً"، مؤكدة أن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي لا يعني بالضرورة أن بلادها "تتخلى عن العالم"، ومصرّة على أنها بذلك تهدف إلى بناء "شراكة جديدة مع أوروبا".
إلا أن كلام ماي لم يلقَ صدىً في إسكتلندا، فما كادت تنهي زيارتها، حتى أيّد البرلمان الإسكتلندي، أمس، دعوة الوزيرة الأولى إلى استفتاء ثانٍ على الاستقلال عن بريطانيا، ما يخلق مشكلة جديدة لرئيسة وزراء المملكة "المتحدة".
(الأخبار)