قبل انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، كانت روسيا من الكلمات المفاتيح التي تخلّلت حملته الانتخابية، حين وضعها في سياق مثير للجدل أميركياً، مُكرّراً نظرية «التعاون» معها من أجل مواجهة تنظيم «داعش» في سوريا. بعد انتخابه، تراجعت الدعوة إلى التقارب مع روسيا إلى الخلف، لتتقدّم عليها اتهامات لمسؤولين في حملته وفي إدارته بـ«لقاءات سرية» مع مسؤولين روس. بالتوازي مع ما تقدّم، لا يزال اتهام موسكو بتدخلها في الانتخابات الأميركية لمصلحة ترامب يشهد تفاعلاً إلى اليوم.


مع ذلك، هناك من يربط الكثير من الخيوط بعضها ببعض، ليشير إلى أن الرئيس الأميركي الجديد ما زال منفتحاً على نوع من التقارب مع موسكو. وممّا تطرّق إليه العديد من المراقبين الأميركيين، هو أن إدارة ترامب لم تعقّب، مثلاً، على الأحداث التي جرت أخيراً في روسيا، من تظاهرات مناهضة للفساد، وما رافقها من ردّ فعل للحكومة تمثلت في سجن معارضين. هذا إضافة إلى أن هناك من ركّز على لهجة تصالحية ما من قبل مسؤولين في إدارة ترامب.
على الجهة الروسية، أيضاً، هناك من يربط الخيوط بعضها ببعض، على أمل التوصل إلى خلاصة تحمل فهماً معيّناً للعلاقة المرتقبة بين البلدين، في عهد ترامب. ومن هؤلاء، وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي حاول تحديد معالم هذه العلاقة وتأطير حدودها، في مقابلة مطوّلة مع مجلة «ذي ناشيونال إنترست» الأميركية.


يعوّل لافروف
على أن تلعب براغماتية ترامب دوراً في
السياسة الخارجية


قلّب لافروف مختلف الملفّات، مركّزاً على نقاط مشتركة يمكن البناء عليها لصياغة رؤية مشتركة للقضايا الدولية. وأكد أن ليس هناك حرب باردة كما يروّج البعض، معتبراً أنه «من المنطلق الأيديولوجي، لسنا مختلفين ولسنا متباعدين». ولكنه أشار مع ذلك إلى أن «هناك تباينات في الرؤى بشأن كيفية إدارة الدول في الغرب وفي روسيا وفي الدول المجاورة»، موضحاً أن «الأساس في كل ذلك هو الديموقراطية، والانتخابات، وإدارة النظام، وطريقة احترام المعارضة وأيضاً اقتصاد السوق». بناءً عليه، رأى أنه «ليس هناك اختلافات أيديولوجية ما دامت الأسس الديموقراطية واقتصاد السوق هي الأساس».
لافروف لخّص هذه الفكرة بعبارة واحدة: «إنه عالم متعدّد المراكز، يمكن وصفه بأنه عالم متعدّد الأقطاب، أو يمكن القول إنه عالم أكثر ديموقراطية».
انطلقت المقابلة من الاتصال بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وترامب، غداة انتخابه. وفي هذا السياق، أشار إلى انطباع «جيّد» تعقيباً على المحادثة التي «لامست المسائل الأساسية في علاقاتنا، وطبعاً القضايا الدولية الأساسية». ولفت إلى أن من المنتظر إجراء لقاءات متكررة مع نظيره الأميركي ريكس تيلرسون، للبحث في تفاصيل مختلف القضايا، و«مناقشة الإعداد لاجتماع رئاسي يجب أن يحصل عندما يشعر البلدان والرئيسان بأنهما مرتاحان لذلك».
على المستوى الشخصي، أعرب الوزير الروسي عن مشاعره «المرتاحة» لكيفية صياغة العلاقة والتواصل مع تيلرسون.
بدا حانقاً على إدارة أوباما. وانطلاقاً من التجربة الروسية معها، تحدث عن كيفية تطبيع العلاقة بين البلدين، في عهد ترامب، معتبراً أن ذلك يجب أن يكون مبنياً على «معاملة الشركاء باحترام، وليس بفرض أفكارك عليهم، من دون الأخذ في الحسبان وجهات نظرهم وهواجسهم».
ولكن هل سيكون ترامب مختلفاً، في هذا السياق؟ لافروف عوّل على أن تلعب براغماتيته دوراً هنا، وقال إن الرئيس الجديد «يتبنّى الحاجة إلى التركيز على مصالح الولايات المتحدة، ويعتبر السياسة الخارجية مهمة طالما تخدم هذه المصالح، وليست مشروعاً خيرياً» لإظهار القوة.
من جهة أخرى، حصلت الاتهامات لبلاده بالتدخل في الانتخابات الأميركية على حيّز كبير من المقابلة. ورداً على سؤال بشأنها، أكد لافروف أن «لا أساس» لها طالما أنه «لا يوجد دليل واحد على أنها فعلية». وقال: «أظن أن هذه الاتهامات استُخدمت كأداة في الحملة الانتخابية، وكانت الأداة الأفضل لدى الحزب الديموقراطي للحصول على الدعم من الشعب الأميركي، أي باللعب على مشاعره». هذه الأداة تسمى «فوبيا روسيا»، على حدّ تعبير لافروف، وهي تعتمد على «غسل دماغ الأميركيين من دون الاستناد إلى حقائق، من دون دليل».

الأزمة السورية

حرص قائد الدبلوماسية الروسية على إعطاء الأزمة السورية مساحة كبيرة في مقاربته للسياسة الخارجية والعلاقة مع الولايات المتحدة. وتحدّث بإسهاب عن كيفية معالجة إدارة أوباما سابقاً لها، متطرّقاً إلى «التحالف الدولي» الذي أنشأته، والذي لم يبدأ عمله فعلياً إلا بعد تدخّل روسيا.
«ما يمكنني قوله هو أنه بعد عام على إنشاء هذا التحالف، استخدمت القوة الجوية لضرب بعض المواقع المتفرّقة لداعش. لم يستهدفوا أياً من القوافل التي كانت تهرّب النفط من سوريا إلى تركيا، وبشكل عام لم يكونوا فاعلين أصلاً»، قال لافروف.
الأمر تطوّر بعد تدخل وزير الخارجية الأميركي جون كيري، «صديق» لافروف كما يحرص على وصفه. «جاء صديقي جون كيري، الذي كان صادقاً في رغبته في تخطّي بعض الحواجز الرسمية، والبدء بالتنسيق العسكري. أمضينا وقتاً، تقريباً من شباط 2016 إلى أيلول 2016، عندما توصلنا في النهاية إلى اتفاق على التفريق بين المجموعات المسلّحة التي تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بالتعاون معها، مثل داعش وجبهة النصرة، وبعدها التنسيق بشأن الأهداف وضرب الأهداف التي تكون مقبولة من الروس والأميركيين». إذاً، جرى التوصل إلى الاتفاق مع كيري، وفق لافروف، ولكن «البنتاغون تنصّل ممّا قام به كيري، ولم يتمكن أوباما من تخطّي البنتاغون»، ما «عنى بالنسبة لي شيئاً واحداً هو أن رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما كان مدفوعاً برغبة الانتقام من روسيا، لأي سبب كان».
أما الآن، هل يمكن استئناف التعاون؟ يجيب لافروف مؤكداً: «نعم يمكننا ذلك»، مستنداً إلى تصريح ترامب الذي قال فيه إن «محاربة الإرهاب هي الهدف الدولي الأول بالنسبة إليه».
(الأخبار)