ماذا يجري في الشارع الروسي، وماذا عن التحركات الشعبية التي سُجّلت في المدن الروسية خلال الأحدَين الماضيين؟ الإجابات قد تتراوح بين «لا شيء... فقط زحمة سير في موسكو» وبين أن «روسيا تشهد احتجاجات شعبية منسَّقة ومفاجئة هي الأكبر منذ عام ٢٠١٢»! الإجابة الأولى هي لعدد كبير من المواطنين الروس من سكّان أبرز المدن التي شهدت تظاهرات في الأحد الأول (٢٦ آذار الماضي)، والذين لم يعلموا بوجودها أصلاً وبعضهم لم يرغب في المشاركة فيها حتى بعدما علموا بها. الإجابة الثانية التي تتحدّث عن «هبّة شعبية» هي الواردة في عناوين وسائل إعلام أميركية وبريطانية، وعلى مدوّنات بعض المعارضين الروس والغربيين.


في الواقع، شهدت بعض المدن الروسية تظاهرات معارضة ضمّت عشرات آلاف المشاركين (لا أرقام دقيقة حول العدد الفعلي)، رفعت شعار «محاسبة رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف في قضية فساد»، وتمّ خلالها اعتقال عدد كبير من المتظاهرين لأن التحركات «لم تكن مرخّصة». الغالبية الساحقة من المشاركين كانوا في العشرينيات من عمرهم هذه المرّة، ولبّوا دعوة المعارض الناشط على مواقع التواصل أليكسي ناڤالني الذي كان قد نشر تحقيقاً على موقع إلكتروني حول «تجميع الرئيس السابق ميدفيديف ثروة مالية ضخمة، مستغلاً منصبه في الحكم». أما تظاهرات الأحد التالي (٢ نيسان الجاري) في موسكو، فكان «عدد المصوّرين الصحافيين فيها أكبر من عدد المشاركين»، ولم تتبنّها أي جهة معارضة. اختلف المشهد كثيراً بين أحَدين، وما رُوّج له على أنه «بذور احتجاجات شعبية متمددة وشاملة» انفرط خلال أسبوع.


المعارضة البرلمانية المنظّمة لم تنجح
حتى اليوم في
توحيد صفوفها


ما جرى يؤكد مرّة جديدة، أن من الصعب رسم مشهد دقيق للمدّ والجزر بين السلطة الروسية ومعارضيها اليوم، وخصوصاً في ظلّ تفكك المجموعات المعارِضة وتشعّب مطالبها وغياب مشروع موحّد بديل... إذ «لا بديل من الرئيس ڤلاديمير بوتين في الوقت الحالي»، باعتراف بعض المعارضين أنفسهم. أما من نزلوا الى الشارع في الأحدين الماضيين، فجلّ ما قالوه هو «نريد التغيير لأننا مللنا من الوجوه ذاتها في الحكم».
لا يمكن اختصار المعارضة الروسية بمَن شاركوا في التظاهرات الأخيرة، أو الادّعاء بأن روسيا تشهد انتفاضات شعبية احتجاجية ضد بوتين، حسب ما روّج الإعلام الأميركي وكما اعتاد أن يفعل منذ سنوات، فالمشهد السياسي ــ الاجتماعي ــ الاقتصادي الروسي هو بحجم أكبر دولة في العالم ولا يقلّ تعقيداً عن مكوّنات تاريخها الحديث. تعقيدات داخلية تُضاف إليها تجاذبات خارجية تزداد عدائية تجاه روسيا كلّما أحرزت الأخيرة اختراقاً داخل المجموعة السياسية الاقتصادية التي تحكم العالم منذ انهيار الاتحاد السوڤياتي، والتي تهيمن عليها الولايات المتحدة الأميركية.

فساد وتخوين وشعبية ساحقة

رغم كِبر حجم الواقع الروسي الداخلي وتعقيداته، يمكن تحديد بعض الثوابت قبل الانطلاق في أي قراءة: الثابت الأول هو اعتراف الغالبية العظمى من الروس ــ موالين ومعارضين ــ بوجود منظومة فساد تنخر مؤسسات الحكم في الدولة والتي تعاظم حجمها قبل سنوات طويلة من تسلّم الرئيس بوتين السلطة. ٦٥٪ من الروس المستجوَبين في أحدث استطلاع رأي، قالوا إن مستوى الفساد «بلغ حدّاً لا يحتمل أبداً».
الثابت الثاني، وجود معارضة برلمانية منظمة واضحة الانتماءات (حزبية) ومعارضة خارج الحكم واسعة تتغير بتغيّر هوية الاحتجاجات والمطالب، لم تنجح حتى اليوم في توحيد صفوفها أو طرح خطة بديلة للحكم. الثابت الثالث، تأييد غالبية الشعب الروسي للرئيس بوتين، إذ تتخطّى شعبيته بين مختلف فئات المجتمع اليوم ٨٠٪ وهي نسبة شبه ثابتة منذ تسلّمه السلطة.
في الفساد أولاً، يقول المعارضون إن استمرار انتشاره «يدلّ على مساهمة الحكومات المتعاقبة فيه والاستفادة منه»، ونسبة الذين يتهمون الحكومة بالفساد «بدءاً من رأسها» ارتفعت
إلى ٣٢٪ هذا العام. لكن معظم المحتجين على الفساد يحيّدون بوتين عن دائرة المتورطين فيه، ويقولون إن الرئيس «يحاول الحدّ من الفساد ونجح بذلك في عدد كبير من الإدارات، وإلا لما انطلقت المؤسسات الروسية في عملها من جديد». لكن، مما لا شكّ فيه، أن أي تحرّك شعبي يرفع شعار محاربة الفساد سيلقى تأييداً كبيراً من قبل المواطنين حتى من بين الموالين لسياسات بوتين.
ثانياً في المعارضة، يتبادل الأطراف الاتهامات والتخوين، فالأحزاب المعارضة الممثّلة في البرلمان والتي تمارس عملها وتحتجّ على قوانين وتعدّل مشاريع وترفض بعضها، لا يرى فيها المعارضون «المستقلون» سوى «أداة للسلطة وامتداداً للنظام تحت سقف أحزاب معارضة بالية». من جهة أخرى، ترى السلطات الروسية في المعارضة غير البرلمانية أنها «غير ناضجة تُحرّكها قوى خارجية، أميركية تحديداً».
ثالثاً حول ثبات تأييد معظم الروس لبوتين، ويعود ذلك إلى أسباب عديدة يمكن اختصارها بثقة معظم المواطنين الروس برئيسهم «القوي»، الذي نجح في تحسين أوضاع البلاد أمنياً واقتصادياً ومعيشياً وأعاد لروسيا دورها الريادي في العالم.
انطلاقاً من تلك الوقائع، يمكن، ربما، فهم مزاج الشارع الروسي حالياً ولو بصورة جزئية، إذ لا يمكن لأحد ادّعاء معرفة أحوال الناس هناك وإدراك مطالبهم الفعلية إلا إذا كان بينهم أو منهم.
فهل ستنجح المعارضة في رصّ صفوفها واعتماد أجندة واضحة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في ٢٠١٨ فتحدث تغييراً ما؟ معظم المتابعين والمحللين الروس والغربيين لا يرون إمكانية لذلك بعد. حتى ذلك الحين، سيبقى السؤال الذي يشغل الباحثين الأميركيين والغربيين، منذ ١٧ عاماً حتى اليوم، هو «كيف تُسقط رئيساً كفلاديمير بوتين»؟




ناڤالني... ناشط مشاغب وعنصري!

نجم المعارضة الروسية الشبابية هو المحامي أليكسي ناڤالني. في الأربعين من عمره، ينشط منذ سنوات على مواقع التواصل الإلكتروني وعلى موقعه الخاص حيث ينشر تحقيقات يقول إنها تكشف فساد المسؤولين والطبقة السياسية الروسية، وآخرها التحقيق حول ثروة ديمتري مدفيديف.
استطاع الناشط كسب شعبية لدى المعارضين الشباب، ولكن اهتمام المسؤولين في واشنطن به علناً ودفاعهم عنه طرح علامات استفهام لدى بعض المعارضين والموالين. علامات استفهام أخرى تطرح حول شخصية ناڤالني وتاريخه، إذ تُسجَّل له مواقف متطرفة قومية، وأخرى عنصرية
، فهو دعا الى «طرد الجورجيين من روسيا» وكان قد أيّد الهجوم الروسي على جورجيا عام ٢٠٠٨، كما دعا الى «طرد المهاجرين واعتماد نظام تأشيرات خاص بهم». حكم عليه القضاء الروسي بجرم اختلاس الأموال عام ٢٠١٢، وأوقف وسجن مرات عدة بعدها. ترشّح عام ٢٠١٣ لمنصب عمدة موسكو وخسر، وأعلن أخيراً نيّته الترشّح للرئاسة عام ٢٠١٨، علماً بأنه قانونياً لا يمكنه ذلك لأن في سجله حكماً جرمياً.