كان يمكن لزيارة الوفد الأميركي الأخيرة للعراق أن تمر مرور الكرام، حتى ولو ترأستها شخصية عسكرية مثل رئيس هيئة الأركان المشتركة جوزيف دانفورد. وفي حال لم يدلِ هذا الأخير بأي جديد أو يطلق أي تصريحات مثيرة للجدل، فإن هذه الزيارة ستحوز مساحة خبر صغير في مختلف وسائل الإعلام، نظراً إلى تكرار هذا النوع من الزيارات «الروتينية» الأميركية إلى بلاد الرافدين.


ولكن حضور صهر ترامب ومستشاره، جاريد كوشنر، ضمن الوفد الأميركي الذي استقبلته بغداد، قبل يومين، أثار بعض الاستغراب لدى عدد من المتابعين، والكثير من الاستهجان لدى آخرين، خصوصاً هؤلاء المطّلعين على بروتوكول الزيارات الرسمية بين الدول، والهرمية السياسية الأميركية، على نحو خاص.
زيارة كوشنر للعراق هي الأولى لأحد أكثر المقرّبين من الرئيس دونالد ترامب. وفي حين عمل الجنرال دانفورد على حصرها في بعد «إجرائي» طبيعي ضمن الاستراتيجية الأميركية لمحاربة «داعش»، لكن ذلك لم يمنع المدقّقين في تفاصيلها من التركيز على بعد بروتوكولي ــ سياسي آخر، وهو أن هذه الرحلة استبقت رحلات تقليدية، عادة ما يقوم بها وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي. فكان أن علّق مستشار أوباما للأمن القومي بنجامين رودس، ساخراً في تغريدة عبر موقع «تويتر»، بالقول: «كوشنر في العراق، قبل مستشار الأمن القومي أو وزير الخارجية. أمر طبيعي تماماً».
في غضون ذلك، أشار دانفورد إلى أنه دعا كوشنر ومستشار الأمن الداخلي في البيت الأبيض توماس بوسرت، لمرافقته، ليسمعوا «بأنفسهم من دون أي تعديل» من المستشارين العسكريين عن الوضع على الأرض، ويتواصلوا مع القوات الأميركية.
ورأى أن ذلك المستوى من الدراية بمجريات الحرب على الأرض، يساعد على اتخاذ قرارات استراتيجية. وأوضح أنه «كلّما زاد تقديرك لما يحدث بالفعل على الأرض، زادت معلوماتك عندما تبدأ في الحديث عن القضايا الاستراتيجية».
والتقى وفد دانفورد عدداً من الشخصيات العراقية، من بينهم رئيس الحكومة حيدر العبادي، ووزير الدفاع عرفان الحيالي. كذلك زار كوشنر، برفقة دانفورد، قاعدة عراقية على مسافة 16 كيلومتراً من الموصل (في منطقة حمام العليل)، حيث أعرب عن أمله في أن تكون استعادة السيطرة على المدينة، في نهاية المطاف، «نصراً للعالم».
وفيما تأتي زيارة كوشنر الأولى إلى العراق لتمنح السياسي الشاب (36 عاماً) حقل تجارب وفرصة للتعلّم، في ظل نقص خبرته السياسية، فهي كانت سبباً في ارتفاع حدّة الانتقادات التي تطال دوره ومنصبه في البيت الأبيض، في ظل توسّع صلاحياته، لتطال جوانب مختلفة وكثيرة في السياسة الخارجية والداخلية.
صحيفة «واشنطن بوست» وصفت منصب كوشنر، «الذي لا يمكن المساس به»، بأنه «أعطاه الحرية ليتصرف كوزير خارجية ظل»، فأنشأ قنوات للتواصل خاصة به، مع قادة العالم.
وفي هذا الإطار، ركّزت وسائل الإعلام المختلفة على تحرّكات كوشنر الكثيرة التي يجب أن يقوم بها وزير الخارجية أو مستشار الأمن القومي، ومنها حضوره الاجتماع بين ترامب وولي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وتقرّبه من المكسيك، فضلاً عن الصين التي كُشف، أخيراً، عن دوره الأساسي في الإعداد للّقاء الذي سيجمع رئيسها بترامب في فلوريدا يوم الجمعة.
ووفق شبكة «سي أن أن»، فقد رأى عدد من المسؤولين في البيت الأبيض أن كوشنر حجب، تقريباً، كل مستشاري ترامب والمستشارين الحكوميين، واضعاً نفسه في منصب الموفد الأساسي، أمام من هم من خارج الحكومة ــ بمن فيهم الدبلوماسيون الأجانب، والمديرون التنفيذيون التجاريون، وأيضاً أمام بعض أعضاء الكونغرس. هو أيضاً يدير جهوداً لإجراء إصلاح حكومي، بحسب الصحف الأميركية.
إلا أن ترفيع منصبه سبّب إزعاجاً ضمن عدد من الوكالات والوزارات، خصوصاً تلك التي تنحصر مهماتها بإدارة سياسة واشنطن الخارجية. ونقلت «سي أن أن» عن أحد حلفاء وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، قوله إن هذا الأخير «محبط من الاستغلال الدبلوماسي الذي يعتمده كوشنر».
دفع هذا الأمر المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبنسر إلى التدخل لنفي هذه «المزاعم»، وقال قبل أيام إن «جارد بنى علاقات على مرّ الوقت، من بينها مع المكسيك»، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن «ذلك لا يعني أن هذه الأمور تجري من دون تنسيق مع وزارة الخارجية، بل على العكس تماماً، إنه يتابع العمل معهم وتسهيل الحصول على النتائج».
(الأخبار)