يوم أمس، سرت هدنة في البيت الأبيض، بعد أسبوع حافل بالمعارك بين ما يسمى «جبهة اليمين» بقيادة ستيفن بانون، كبير استراتيجيي الرئيس دونالد ترامب، وما يُطلق عليه «جبهة الليبراليين» بقيادة صهر الرئيس، جارد كوشنر. تدخّل ترامب، شخصياً، لإنهاء النزاع، بعدما انتشرت أخباره في وسائل الإعلام الأميركية، وكوّن مادة دسمة استُثمرت في العناوين العريضة لنشرات الأخبار والصحف. أما النتيجة، فتُلخص بعبارة واحدة: «دوّامة ترامب المستمرة في إدارة البيت الأبيض».


ترامب لا يزال يجد نفسه مضطراً إلى استنباط الحلول للخلافات التي تعصف بإدارته، وهو لا يكاد ينتهي من عقبة حتى تفاجئه أخرى، على الرغم من مرور أكثر من شهرين على تسلّمه السلطة.
الأسبوع الماضي، أزاح بانون من عضوية لجنة مديري مجلس الأمن القومي، على أمل أن ينهي جدلاً بدأ بعد وقت قليل على دخوله إلى المكتب البيضاوي، عندما عيّن بانون نفسه عضواً في مجلس الأمن القومي، استناداً إلى قرار تنفيذي موقّع من ترامب. ولكن خطوة ترامب الأخيرة الهادفة إلى إقفال الباب على الانتقادات الكثيرة التي قابلت تعيين بانون في مجلس الأمن القومي، فتحت آخر أمام جدل يعكس مدى انعدام خبرة الطاقم الرئاسي بإدارة الشؤون العامة، واهتمام كل فرد من أفراده بتوصيل أهدافه الخاصة.


لعب كوشنر دوراً في
إقناع ترامب بإزاحة بانون من مجلس الأمن القومي


وفيما أفادت مختلف التأويلات، بأن ما جرى الأسبوع الماضي يضع النقطة الأولى لبداية نهاية نفوذ بانون الهائل، روّجت أخرى للقرار الأخير على أنه «نصر لمستشار الأمن القومي الجديد آش ار ماكماستر»، الذي قيل إنه أصرّ على «تطهير المجلس من بانون... بهدف التشديد على أن القرارات المهمة بشأن أمن البلاد، يجري اتخاذها من دون النظر إلى حسابات سياسية»، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».
بغض النظر عن المستفيد الظاهر من هذا «التطهير»، كانت الأيام القليلة الماضية كفيلة بالكشف عن مستفيد آخر، عمل في الظل على إقالة بانون من منصبه، وهو جارد كوشنر صهر ترامب، والنجم الصاعد في الإدارة الجديدة، الذي يوحي تقدير الرئيس له بأنه سيحمل، خلال السنوات المقبلة، لواء تكريس أجندة ترامب، غير الواضحة بعد، والتي قد يكون الطرف الأساسي في استكمالها.
ووفق صحيفة «بوليتيكو»، لعب جارد كوشنر دوراً مهماً في إقناع ترامب بإزاحة كبير استراتيجييه من مجلس الأمن القومي، بناءً على أن «أسلوب بانون الشعبوي ورغبته المعلنة بتفكيك الدولة الإدارية، اشتبكا مع نهج كوشنر الأكثر تكنوقراطية في الإدارة»، على حدّ تعبير الصحيفة. الأمر نفسه أشارت إليه «نيويورك تايمز»، معتبرة أن بانون لم يعد يلقى قبولاً لدى إيفانكا ابنة ترامب وزوجها جارد، بالاستناد إلى أنه كان وراء عدد من الخطوات الناقصة التي خطتها إدارة ترامب الوليدة، ومن أبرزها الفشل في تمرير قانون الرعاية الصحية الجديد.
الصحيفة أشارت، في تقرير آخر، إلى أن النقاش تدهور بين بانون وكوشنر ليصل إلى مرحلة الانهيار، وذلك عندما لخّص بانون السبب وراء عدم إمكانية إيجاد حلّ وسط بينهما، بتهمة أن جارد «ديموقراطي». كذلك، لفت موقع «ديلي بيست» إلى أن النزاع بين الطرفين وصل إلى حدّ الصراخ على بعضهما، موضحاً أن بانون وصف كوشنر بـ«العالمي» Globalist، (أو من أنصار العولمة).
«هناك قتال كبير قائم بينهما»، قال أحد المسؤولين الكبار لـ«ديلي بيست»، لافتاً إلى أن «الأمر يتعلق بالسياسة، وباختلاف وجهات النظر بشأن التجارة، والرعاية الصحية، والهجرة، والضرائب، وأي شيء». «ستيف يظن أنّ جارد أسوأ من ديموقراطي»، أضاف مسؤول آخر، مشيراً إلى أن «لديه رؤية محدّدة بشأن ما يعتقد به وما يتشاركه مع ترامب، وكان لفترة طويلة ينظر إلى جارد (كوشنر) على أنه عقبة كبيرة أمام تحقيق ذلك».
إذاً، تصاعُد القتال الأخير داخل بيت ترامب الأبيض، حرّكته الشخصانية والإيديولوجيا والطموح الذاتي والمصالح. أما قوامه، فقد كان «بانون الانفعالي قاذف القنبلة القومية»، وكوشنر «ذا الوجه الطفولي المصقول، ابن نيوجرسي وبائع العقارات». وبالنظر إلى الاصطفافات الأخيرة، يبدو نائب الرئيس مايكل بنس، ومدير مجلس الاقتصاد القومي غاري كوين، فضلاً عن إيفانكا، من أبرز المنضوين تحت «جناح كوشنر الديموقراطي الليبرالي» ــ وفق تسمية حلفاء بانون ــ فيما يبقى من أهم العاملين مع هذا الأخير، سيباستيان غوركا، وهو مستشار في شؤون محاربة الإرهاب، ومؤسس حزب يميني متطرّف في هنغاريا، في عام 2007. وبمعزل عن ماضيه، نسبت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية إلى غوركا، أمس، أنه دفع إلى تقسيم ليبيا، في خلال لقاء مع دبلوماسي أوروبي كبير. وأشارت إلى أنه رسم على منديل ورقي صورة لكيفية تقسيم هذه البلاد إلى ثلاث مناطق، مستنداً إلى المقاطعات العثمانية القديمة في برقا شرقاً، وإقليم طرابلس في الشمال الغرب، وفزان في الجنوب الغرب، الأمر الذي عدّه الدبلوماسي الأوروبي «أسوأ الحلول» التي يمكن طرحها. غوركا يطمح إلى منصب لم يُنشأ بعد، أي الموفد الرئاسي إلى ليبيا، بحسب ما تذكره «ذا غارديان».
بالرغم ممّا تقدّم، لا يزال بانون يتمتّع بتصريحه الأمني، وبأُذنٍ صاغية لدى ترامب، فيما يدير قسماً سياسياً خاصاً يُنظر إليه على أنه منافس لمجلس الأمن القومي، وفق تقارير إعلامية متعددة.
وبالنظر إلى أن ترامب لا يزال متمسّكاً بمستشاريه الاثنين، فقد أمرهما أول من أمس، بأن يسويا خلافاتهما. وبحسب ما يشير إليه مسؤولون في البيت الأبيض، اجتمع الطرفان المتنازعان، لمدة ساعة، في منتجع مارالاغو في فلوريدا، بعد لقاء ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. وانتهى الاجتماع، الذي دبّره كبير موظفي البيت الأبيض رينس بريبوس، بقبول الرجلين بالعمل معاً «من أجل تقديم أجندة ترامب».
يلخّص المراقبون المعركة الأخيرة، بأنها وقعت بين «الحركة القومية الشعبوية اليمينية» ــ والتي يمثّلها ترامب على نحو ما ــ و«بين النهج الأكثر براغماتي والأقل إيديولوجية» ــ الذي يمثله ترامب بشكل آخر أيضاً. «النتيجة يمكن أن تحدّد ما إذا كان بيت ترامب الأبيض سيبقى ترامبياً، أو ما إذا كان سيبدأ باتخاذ شكل يكرهه أمثال بانون، أي إدارة تميل أكثر نحو النسق الجمهوري»، وفق مجلة «ذي أتلانتك». إلى حين تبيان النتجية، يبقى السؤال الأهم عن مدى استمرارية الهدنة بين الجناحين، ليتمكنا من «تقديم أجندة ترامب»، في ظل الخلافات الجوهرية بين شخصيتين متناقضتين، ومصالح مختلفة.




استبدال المسؤولين متواصل؟

أفادت تقارير إعلامية عدّة، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يبحث إجراء تغييرات واسعة في صفوف كبار المسؤولين، في مسعى للقضاء على المشاحنات الداخلية بين العاملين داخل البيت الأبيض. وذكرت كل من صحيفة «وول ستريت جورنال» وشبكة «سي ان ان»، نقلاً عن مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية قولهم إن ترامب تطرّق مع بعض المقرّبين منه، في الأيام الماضية، إلى إمكانية استبدال كبير الموظفين رينس بريبوس، وطلب اقتراح أسماء لمن قد يخلفه. وأشارت «وول ستريت» إلى أن «الأزمة في سوريا زادت من رغبة ترامب في تقليل الخلافات الداخلية، ومن المتوقع أن يتخذ قرارات تتعلق بالموظفين قريباً».
(الأخبار، رويترز)