لم تكن التحوّلات ضمن الاتحاد الأوروبي ملموسة كما هي اليوم. من شاهد اجتماع قادة الاتحاد في روما، في 25 آذار الماضي، للاحتفال بمرور 60 عاماً على وضع أولى أسسه، أمكنه ملاحظة هواجسهم ومخاوفهم ممّا يحمله المستقبل، على الرغم من محاولتهم استعراض مشهد من الوحدة والقوة، بوجه ما يحيط بمنظومتهم من تغييرات، وما يتهددها من تصدّع ظهرت معالمه الفعلية بانسحاب بريطانيا.


طاب لهؤلاء الركون إلى رمزية المناسبة، وبفيض عاطفي يتناسب معها سحب رئيس المفوّضية الأوروبية «القلم الذي استخدمه ممثل لوكسبورغ للتوقيع على اتفاقية روما عام 1957»، ليجدّد العهد، موقِّعاً على ما أطلقوا عليه، أخيراً، «إعلان روما»، وعنوانه «الوحدة». «هذه التواقيع تدوم إلى الأبد»، قال جون كلود يونكر، لكن يبقى عليه وعلى غيره من قادة الدول الأعضاء الـ27، إقناع نسبة كبيرة من مواطني الاتحاد بهذه النظرية. يونكر وصف، في مقابلة على هامش الاحتفال، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بالـ«تراجيديا»، فيما ظلّل هذا الخروج مختلف الخطب والكلمات التي ألقيت للمناسبة. «أوروبا ككيان سياسي إما أن تكون موحّدة أو لا تكون أبداً»، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، متسائلاً عن واقع وصلوا إليه. وربما كان الرد الأنسب على التساؤل، على لسان رئيس البرلمان الأوروبي أنتونيو تاجاني، عشية الاحتفال بالذكرى، حين قال إن «المشروع الأوروبي لم يبدُ يوماً بعيداً عن الشعب كما هو اليوم».
يعترف قادة الدول الأعضاء، في إعلانهم، بأن الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات غير مسبوقة ــ عالمية ومحلية ــ ويعدّدون منها النزاعات الإقليمية، والإرهاب، وتصاعد ضغوط الهجرة، إضافة إلى الحمائية وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. ومن خارج هذا الإعلان، هناك من يشير إلى تأكيد روسيا حضورها المجاور الذي شكّل تحدياً آخر، إلى جانب تحدٍّ يمثله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعرب عن تشكيكه بمستقبل الاتحاد، والعلاقة الأميركية معه. وبين هذه العناوين، واقع فرض نفسه، هو الاستماع إلى قلق المواطنين الأوروبيين، خصوصاً أن عدداً كبيراً منهم لديه الكثير ليقوله، في ظل النمو الاقتصادي البطيء وارتفاع معدلات البطالة، اللذين انعكسا، بشكل من الأشكال، في تنامي شعور المعاداة للاتحاد الأوروبي (Anti-European)، فضلاً عن الخروج البريطاني الذي حفّز القوميين المشكّكين بالاتحاد (Eurosceptic)، على تحدّي حكوماتهم في دول أوروبية أخرى. وتبدو التظاهرات التي رافقت الاحتفال بستينية التكتّل، انعكاساً للانقسام الحاصل بين مواطنيه. ففي وجه تلك المؤيدة للمشروع الأوروبي، كانت هناك احتجاجات مناهضة له. وفي إحداها التي جرت خارج المكان الذي اجتمع فيه القادة الأوروبيون، دعت حركة إيطالية يمينية متطرّفة إلى الدفاع عن «هويّة» بلدها، وهاجمت المفهوم الذي يحكم الاتحاد، على أساس أنه يدعم «ثراء مصارفه وليس ثراء شعبه».
ولكن التطوّرات الأخيرة، ألقت الضوء على المفهوم الفعلي الذي يدير هذا التكتل، والذي يبدو محكوماً بالأزمات المتواصلة، بالاستناد إلى نظرية ملهمه جون مونيه، الذي كان قد قال مرّة إن «أوروبا ستُصنع في الأزمات، وستكون خلاصة الحلول التي تُقدم لهذه الأزمات». أشار عدد كبير من المراقبين إلى هذه النظرية، انطلاقاً من واقع أن التوترات ضمن دول الاتحاد الأوربي طالما وُجدت بين تلك التي تسعى إلى «اتحاد أقرب»، وأخرى تفضّل منظومة أساسها تعامل حكومي ــ دولي، يحفظ سيادتها الوطنية، ويحترم التمايز الجغرافي والتاريخي.

هكذا بدأت الأزمة الأخيرة

من خارج البعدين التاريخي والجغرافي، يعيد البعض بداية ظهور المشاكل المتلاحقة، إلى الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، التي لحقت تداعياتها دولاً أوروبية عدّة، واجهتها باللجوء إلى الاقتراض بشراهة، واستمرت على هذا المنوال، حتى وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة على تمويل الدين الحكومي. اليونان، برتغال، إيرلندا، إسبانيا وقبرص، كلها طلبت الدعم من زملائها في منطقة اليورو، ومن صندوق النقد الدولي. ثمّ لجأت بعض حكوماتها إلى فرض تدابير تقشّف مكروهة شعبياً، في محاولة لكبح العجز في المزانية والدين العام. وعلى الرغم من التعافي، لا يزال عدد منها يعاني من نمو بطيء ومستوى بطالة عالٍ، ومن عدم رضىً عام. وقد أدى ذلك إلى طفو الفوارق الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي على السطح (مثلاً، ألمانيا كانت تملي على اليونان سياسة التقشّف)، الأمر الذي صعّد من حدّة التوترات، وأسهم في إحداث انقسامات سياسية بين الدول الأعضاء.
في هذه الأثناء، وعلى مدى السنوات القليلة الأخيرة، شهد عدد من الدول الأوروبية ارتفاع مستوى الدعم للقوميين الشعوبيين المعادين لأحزاب السلطة. وأُطلق على نسبة كبيرة منهم مصطلح الـ«مشككين بالاتحاد الأوروبي» (Euroskeptic). ووفق ما يشير إليه الخبراء، فإن صعود هذه المجموعات مردّه إلى التخلي عن جزء كبير من السيادة الوطنية لمصلحة بروكسل، ورداً على الركود الاقتصادي وتدابير التقشّف، إضافة إلى الخوف من الهجرة وتدفق اللاجئين.
الباحث في المركز الأسكتلندي للعلاقات الأوروبي، أنطوني سالامون، من أنصار هذه النظرية، وهو يشير في حديث لـ«الأخبار» إلى أن «أحد أهم الأسباب وراء صعود الشعبوية في أوروبا، عدم المساواة الاقتصادية، بما في ذلك انخفاض الأجور، وسوق العمل الصعبة وانخفاض الإنفاق العام»، ليصل بناءً عليه إلى فكرة أكثر شمولية، محورها أن «الأزمات المالية والاقتصادية كانت وراء ارتفاع حدّة هذه المستجدات، في معظم أنحاء أوروبا».
وبوجود مزيج من الهواجس التي تتعلق بمسار العولمة وفشل السياسة العامة، وأيضاً شعور الفرد بالتخلي عنه، «بدأ عدد كبير من الناس بالبحث عن ردود بديلة على التحديات المهمة التي يواجهونها»، على حدّ تعبير سالامون، الذي يضيف أن «الأحزاب الشعبوية في أوروبا غالباً ما تتشكّل معتمدة على مساندة هؤلاء الأشخاص القلقين والخائفين، وهو ما قد يكون السبب في اكتسابها مكانة بارزة».
عطفاً على ما تقدّم، هناك من يتحدث عن عامل أكثر تمايزاً ضمن هذا المشهد، فوفق ما تذهب إليه الباحثة كريستين أرشيك، في تقرير في «خدمة البحث التابعة للكونغرس»، يبقى الشعبويون و«المشككون في الاتحاد الأوروبي» غير متجانسين، على اعتبار أن جزءاً كبيراً منهم ينتمي إلى تيار اليمين المتطرّف، فيما ينضوي آخرون تحت مظلّة اليسار. علاوة على ذلك، تختلف درجة التشكيك في ما بينهم، أمام الرؤى المختلفة التي يحملونها لمستقبل الاتحاد الأوروبي؛ ففيما يدعو البعض إلى اتحاد أكثر مرونة تحتفظ فيه الدول الأعضاء بسيادة أكبر، يطالب غيرهم بإنهاء منطقة اليورو، أو الاتحاد الأوروبي ككل.
النمسا، الدانمارك، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، اليونان، هنغاريا، إيطاليا، هولندا، بولندا، إسبانيا، السويد، وسابقاً المملكة المتحدة، من بين الدول التي تشهد تصاعد «الحركات الشعبوية الناجحة»، وإلى حدّ ما الأحزاب المشكّكة بالهوية الأوروبية. وقد قامت هذه المجموعات بعمل بارز في الانتخابات البرلمانية الأوروبية، في عام 2014، حين حازت 25 في المئة من المقاعد الـ751. هذا فضلاً عن أن عدداً من هذه الأحزاب حقّق انتصارات في الاستحقاقات الوطنية والمحلية.


يعيد البعض المشاكل
المتلاحقة إلى الأزمة
الاقتصادية عام 2008
والآن بعد خروج بريطانيا، تواجه الدولتان الأساسيتان في الاتحاد استحقاقات مهمة، يمكن أن تكون نتيجتها فسح مجال أكبر أمام المواطنين المشكّكين بالمشروع الأوروبي: انتخابات رئاسية في 23 نيسان في فرنسا، تمثّل فيها مارين لوبن جبهة يمينية متطرّفة عريضة، وتدعو إلى «خروج عقلاني ومُعَدّ جيّداً من منطقة اليورو»؛ وانتخابات فدرالية مرتقبة في أيلول في ألمانيا، حيث من المحتمل أن تشهد حصول الحزب البديل المناهض لليورو، على مقاعد كثيرة.

هل هناك مستقبل لـ«الاتحاد»؟

وسط هذه القضايا الصعبة، يجري التشكيك، على نحو متزايد، في شكل الاتحاد الأوروبي وطابعه المستقبلي. وفيما يشعر داعمو المشروع بالقلق من الخطر الذي يتهدّد العديد من جوانب الوحدة والتكامل بين دوله ــ للمرة الأولى في خلال 60 عاماً ــ يبقى تفكّك هذا التكتل مجرّد فرضية، في الدراسات التي تعدّها المفوضية الأوروبية عن واقع مواطني الاتحاد. بل هناك من يرى فرصة كي تؤدي الأزمات المتعددة إلى إنتاج بعض الإصلاحات.
أنطوني سالامون، يقلّل من احتمال خروج دولة أخرى من الاتحاد الأوروبي أو من منطقة اليورو في المستقبل القريب. وفي حديثه لـ«الأخبار»، يرى أن «خروج بريطانيا يرجع بشكل كبير إلى طبيعة العلاقة الخاصة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي».
في الوقت ذاته، يعترف سالامون بأن الـ«بريكست» شكّل دعوة استيقاظ واضحة بالنسبة إلى بقية دول الاتحاد، مفادها أن الانسحاب منه يمكن أن يحصل حقاً (فقد كانت حتى وقت قريب هذه الدعوة نظرية فقط)، وأن أعضاء آخرين يمكن أن يواجهوا هذا الخطر. يوضح الباحث أن «التصوّر العام بأن الاتحاد الأوروبي لم ينجح في مواجهة بعض هذه المشاكل، أو كلها، أسهم في إشاعة جو من خيبة الأمل» تجاه المنظومة الأوروبية. وعلى هذا الصعيد، يشرح أن «القادة الأوروبيين ــ من مؤسسات التكتل والدول الأعضاء ــ أعطوا القليل من الانتباه للمسألة التي تتعلق بالمنحى الذي يجب أن ينحوه الاتحاد الأوروبي، بعد خروج بريطانيا»، ليخلص إلى أن «الحفاظ على الاتحاد، على المدى الطويل، يتطلّب من قادته إيجاد رؤى مشتركة ومقبولة لدى كل أعضائه، وفي الوقت ذاته ليونة ودرجات من الاختلافات».
في مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية، هناك من يؤكد هذه الفرضية، مشدداً على أن «الرد التقليدي لعشاق الاتحاد الأوروبي للتحديات المماثلة، والذي يأتي عبر الضغط نحو اتحاد أوثق ومزيد من السلطة المركزية، لا يرضي الناخبين الأوروبيين ولا حكوماتهم المنتخبة، بل إن الرأي العام يفضّل العكس».
الحل البديل يبقى بالسعي، بطريقة أكثر رسمية، إلى اعتناق «نظام متعدّد المستويات»، مع اتخاذ كل دولة أوروبية دورها في سياسات الاتحاد، ولكن بدرجات متفاوتة، على أن تكون قادرة على التحرك من مستوى إلى آخر، بسهولة نسبية، وفق المجلّة.
«كي يحيا المشروع الأوروبي لستين سنة إضافية، فإن الأساس هو المرونة في الاتجاهين»، تخلص المجلة، مؤكدة أنه «إذا لم يكن بإمكان الاتحاد الأوروبي احتضان التمايز، فهو يواجه خطر التفكك».




ترامب... هاجسٌ يلاحق قادة «الاتحاد»

مع تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، أعرب عدد من المسؤولين الأوروبيين عن قلقهم بشأن التزام واشنطن المشروع الأوروبي، والمسار المستقبلي للعلاقات الأميركية ــ الأوروبية. ففي مقابلة مع صحيفتين أوروبيتين، بعد وقت قليل على دخوله إلى البيت الأبيض، أعرب ترامب عن شكوكه بشأن مستقبل الاتحاد الأوروبي، معرباً عن اعتقاده بأن أعضاءً آخرين قد يتبعون المملكة المتحدة في طريق الخروج من هذه الكتلة، ومشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يعنِ شيئاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
على الرغم من ذلك، بدا أن القادة الأوروبيين قد تشجّعوا قليلاً، بعد زيارة نائب الرئيس الأميركي مايكل بنس، للمؤسسات الأوروبية في بروكسل، في منتصف شباط الماضي، حين قال إن التزام واشنطن تجاه الاتحاد الأوروبي «ثابت ومستمر».
في الوقت ذاته، يشير البعض إلى أن الشك ما زال قائماً في بروكسل والعواصم الأوروبية، وذلك بناءً على اختيار ترامب لتيد مالوش، ليكون سفيراً لدى الاتحاد الأوروبي. ووفق صحيفة «ذا غارديان»، قامت الأحزاب الرئيسية الممثّلة في البرلمان الأوروبي بخطوة غير مسبوقة، لمنع تعيين مالوش، واصفين إياه بـ«المعادي والخبيث».
وكان هذا الأخير قد دعم بشدة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي مقابلة مع شبكة «بي بي سي»، سئل عن السبب وراء اهتمامه بالانتقال إلى بروكسل، فأجاب: «كان لدي في وظيفة سابقة منصب دبلوماسي، حين ساعدت في إسقاط الاتحاد السوفياتي، لذا ربما هناك اتحاد آخر يحتاج إلى القليل من الترويض».
(الأخبار)




استطلاع: غالبية لا تثق بمؤسسات الاتحاد الأوروبي

تشير الدراسة الدورية للرأي العام الأوروبي Eurobarometer Standard الصادرة عن المفوضية الأوروبية في كانون الأول الماضي، إلى أن الهجرة تتصدّر هواجس المستطلعين، بنسبة 45%، فيما حلّ الإرهاب بالمرتبة الثانية بحصوله على 32%، ليأتي الخوف من الحالة الاقتصادية في المرتبة الثالثة، بنسبة 20%. وفي بعض الدول، تتصدر البطالة هواجس المستطلعين، خصوصاً في اليونان والبرتغال وغيرهما من الدول التي تعاني من أزمة اقتصادية حادّة.
من جهة أخرى، أعرب 36% عن ثقتهم بالاتحاد الأوروبي، فيما يثق 32% بالبرلمانات المحلية و31% بالحكومات المحلية. وقد وصلت الثقة بالحكومات والبرلمانات المحلية إلى أعلى مستوياتها، منذ ربيع 2011. ويعني ذلك أن غالبية أوروبية تميل إلى عدم الثقة بالبرلمان المحلي (62%)، وبالحكومة المحلية (64%)، وأيضاً بالاتحاد الأوروبي (54%).

(الأخبار)