في ظل سريان «حالة الطورائ» إثر محاولة الانقلاب الأخيرة، تُرسل حكومة «العدالة والتنمية» المواطنين الأتراك إلى صناديق الاقتراع بعد غد الأحد، للتصويت في استفتاء على تعديلات دستورية تحوّل النظام السياسي إلى رئاسي، فيما يقول معارضوها إنّ التعديلات «تلبي الطموحات السلطوية» للرئيس رجب طيب أردوغان.


وفيما يستمرّ أردوغان والدائرة المحيطة به بتأكيدهما أنّ النظام الرئاسي المقترح سيعيد ولادة تركيا مستقرة وقوية، يُظهِر خطاب «العدالة والتنمية» تغييراً في ذهنية الحزب الذي حكم بالاستناد إلى نموذج «إسلامي ــ ديموقراطي»، نحو توجه «إسلامي ــ قومي»، لا تُخفيه سياسات الحكومة التركية الداخلية والإقليمية. ووفق الأردوغانيين، إن صناعة «دولة قوية» في محيط مضطرب أمر أساسي.
ومنذ إعلان الاستفتاء المرتقب، لم تهدأ ماكينة «العدالة والتنمية» في استقطاب الجمهور التركي بالترهيب والترغيب. ويروّج الأقطاب الثلاثة المتحمسين للدستور الجديد (أردوغان والعدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية) لفكرة أنّ تركيا الجديدة ستكون أكثر استقراراً وقوةً، وأكثر مناعةً «ضدّ المؤامرات» التي تحاك ضدها من الداخل، معززين رؤيتهم بوقوع محاولة الانقلاب في تموز الماضي.
لم ينته العمل من خلال استقطاب حزب «الحركة القومية» اليميني المنقسم، بل من بين الحملات الانتخابية الكثيرة في أنقرة وإسطنبول ومناطق أخرى، حطّ أردوغان، قبل أسبوع في دياربكر ليحشد الأصوات الكردية أيضاً. أما رئيس وزرائه بن علي يلدريم، فقد عمل على استقطاب الناخبين في إزمير حيث من المتوقع أن تكون الأصوات لمصلحة «لا».
وتُرافق الرئيس التركي «آلة بروباغندا» فعالة، وهي ربما الأفضل بين مثيلاتها في الأحزاب التركية من ناحية «التسويق». وتشير الصحافية التركية بارشن ينانج إلى أنه إضافة إلى التعتيم الإعلامي على الرأي المعارض لـ«العدالة والتنمية»، يعتمد الحزب الحاكم على طبقة من المروّجين «البسطاء» الذين يعززون صورة انتمائهم إلى القاعدة الشعبية، التي بدورها «ترى نفسها من خلالهم».
صورة «الانتماء إلى الشعب» تجعل كثراً في تركيا يدعمون أردوغان، فهو «واحد منا»، يقول أحدهم لمراسل صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في تركيا، باتريك كينغزلي الذي أعدّ مجموعة تقارير في الأسابيع الأخيرة من هناك تحت عنوان «حالة الطوارئ». هؤلاء يدعمون الرئيس التركي لشخصه، وليس بالضرورة «حزب العدالة والتنمية»، خاصة أنّ «المناصرين الأوفياء» ينظرون إلى أردوغان على أنه سيقود البلاد نحو مزيد من الوحدة والقوة والاستقرار، في وقت تلعب فيه الخطط الإنمائية وتحسين المدارس والمستشفيات والتخفيف من علمانية الدولة، دوراً كبيراً في زيادة تقدير الناس له.
لكن، ليس بالحبّ وحده يسيطر أردوغان، بل بالخوف أيضاً. «حالة الطوارئ» تبدو استراتيجية مناسبة له لتحقيق طموحاته السلطوية، لأنها سمحت بتشديد القبضة على وسائل الإعلام والصحف، فلا تُسمع الأصوات المعارضة بالسهولة نفسها التي تُسمع فيها أصوات السلطة. ومنذ الأيام الأولى لإقرار التعديل في البرلمان في نهاية شهر كانون الثاني الماضي، تحدث رئيس «حزب الشعب الجمهوري» المعارض كمال كيلتشدار أوغلو، عن أن قناة «تي أر تي» العامة لا تمنح المساحة الإعلامية نفسها لحملة «لا». وآخر الحوادث التي برهنت وجهة نظر كليتشدار أوغلو أن تركيا تتجه تدريجاً نحو «حكم الرجل الواحد» وقعت في 7 نيسان الجاري، حين أُخِّرَت مقابلة مع زعيم «الشعب الجمهوري» لعرض خطاب مباشر للرئيس أردوغان.
وفيما إيصال الصوت مستحيل، فإنّ كل شوارع تركيا تملأها ملصقات حملة «نعم»، المرفقة بصور عملاقة للرئيس التركي، فيما تكاد تختفي الملصقات المعارضة، التي إذا ما وُضعت على الجدران، فإنها «تختفي في وقت قصير»! برغم ذلك، تُظهر استطلاعات الرأي نتائج متقاربة بين الطرفين، في ظل إشارة آخرها إلى ملاحظة تقدم بسيط لحملة «نعم».
في الوقت نفسه، فإنّ الحرب في الداخل مستمرة على جبهات مختلفة، كلّها تحت عنوان «محاربة الإرهاب». وكان آخرها، الحكم بالسجن عاماً على رئيسة «حزب الشعوب الديموقراطي» والنائبة المنتخبة، فيكن يوغسداغ، المتهمة «بالترويج لمنظمة إرهابية»، فيما يقبع زميلها الرئيس الثاني لـ«الشعوب الديموقراطي»، صلاح الدين دميرتاش، في السجن أيضاً منذ أشهر.
ومنذ تموز الماضي، فُصل الآلاف من أكاديميين وصحافيين من أعمالهم، وأغلقت وسائل إعلام عدة، لاتهامهم بالارتباط بشبكة الداعية الإسلامي فتح الله غولن المفترض تخطيطها لمحاولة الانقلاب. وفي واحد من خطاباته «الشعبوية»، قال أردوغان إنه لن يسمح لجماعة غولن «بالحياة»، مشيراً إلى أنه مستمرّ بعملية «تطهير» تركيا من هذا «السرطان المنتشر» في كلّ مؤسسات الدولة.
وعلى جبهة أخرى، اتخذت الأزمة مع أوروبا حيزاً واسعاً من خطابات الرئيس التركي، الذي أكد مراراً أنه سيستمر بوصف الأوروبيين بـ«النازيين»، متحدثاً عن «عنصرية تلف جسد أوروبا»، وعن «شيخوخة وتدهور اقتصادي»، تعاني منهما. وهذا الخطاب الذي ينسج لأردوغان صورة قومية أمام ناخبيه، أضاف إليه عبارة «الرجل المريض»، ليصف أوروبا اليوم، وليقول إنه لم ينس ما وُصفت به السلطنة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر. وهو لم يمتنع أيضاً عن التهديد بوقف العمل باتفاق اللاجئين الموقع مع المفوضية الأوروبية، وكأنه يريد أن يشتري عبر هذا الابتزاز، صمتاً أوروبياً عن «ديكتاتوريته». وقد لوّح أيضاً بأنه قد يعيد العمل بعقوبة الإعدام، غير آبه بأن تلك الخطوة ستنهي مفاوضات تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي.
ولعلّ صيغة الخطاب الذي تتوجه عبره «تركيا ــ أردوغان» إلى الأوروبيين، تندرج ضمن إطار رؤية تركيا لنفسها على أنها «دولة عظمى». وفضلاً عن ذلك، فهي ترى أن دستورها الجديد يتوافق مع دورها الجديد في المنطقة أو ربما دورها «الطبيعي» في سياسة خارجية مبنية على «الواقعية الأخلاقية» و«التدخل الإنساني»، كما يقول الباحث في «جامعة مرمرة»، أمين فؤاد كيمان، مضيفاً أنّ «القوة» هي محور هذه السياسة الخارجية الجديدة التي تشكّل «نهايةً لما خطط له وزير الخارجية السابق، أحمد داوود أوغلو». وتُترجم هذا السياسة عبر التدخل المباشر «الضروري» في سوريا والعراق، تزامناً مع تحقيق «استقرار داخلي»، لأن «هذا ما سيمنح سياسة تركيا الخارجية الديناميكية، فعالية أكبر».




خارجون عن «الحركة القومية»

لم يستقطب «العدالة والتنمية» جميع القوميين في تركيا. ففي الجهة الأخرى، تظهر شخصيات من حزب «الحركة القومية» ضحت بعضويتها في الحزب لتقود حملةً مناهضة للتعديلات الدستورية. أبرز هؤلاء، وزيرة الداخلية السابقة، ميرال أكسنير (في التسعينيات)، التي تتمتع بشعبية لا بأس بها في ظل الظروف الحالية في تركيا. أكسنير التي كلما شاركت في حملة مع مناصريها ترفع يدها اليمنى التي رسمت عليها بالحناء العلم التركي، تمكنت في أحد التجمعات في إزمير من جمع أكثر من عشرة آلاف مناصر. وربما لقدرتها على استقطاب هذه الأعداد، مُنعت أكسنير من القيام بحملة في أنقرة، قال رئيس بلدية المدينة إن السبب في ذلك هو لضمان «سلامتها»، فيما منح أردوغان الإذن في القيام بتجمع في الهواء الطلق قبل أسبوع من طلب الوزيرة السابقة. ومن القوميين أيضاً، تبرز أسماء أخرى معارضة لسياسة دعم أردوغان، مثل سنان أوغان، الذي كان عضواً في البرلمان. ويتحدث البعض عن أنه ما بعد 16 نيسان، قد تؤسس أكسنير حزبها الخاص من مبدأ أن تركيا باتت بحاجة إلى حزب يميني جديد يحافظ على «مبادئ» الحركة القومية التي خسرها الحزب الآن.