تسارعت في اليومين الماضيين دينامية المشهد الدبلوماسي الخاص بـ«أزمة كوريا الشمالية»، في وقت خطت فيه الولايات المتحدة خطوة جدية عبر إعلان نائب رئيسها مايك بانس، من كوريا الجنوبية، عزم بلاده على نشر منظومة «ثاد»، وبالتالي عدم الإنصات إلى الرفض الصيني لهذا الأمر، ما يشير إلى أنّ واشنطن تتجه، بخلاف تصريحات دونالد ترامب الانتخابية، نحو تعزيز أمن حلفائها الإقليميين في منطقة قد تكون مقبلة على تصاعد التوتر بين واشنطن وبيونغ يانغ.


وضمن مسار التصعيد الذي تنتهجه الإدارة الأميركية ضد كوريا الشمالية، حذّر نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، بيونغ يانغ، أمس، من اختبار «حزم» الرئيس دونالد ترامب، مؤكداً أن «جميع الخيارات مطروحة» في التعاطي مع ملفيها الصاروخي والنووي. وتزامن التحذير الأميركي مع إعلان الرئيس الكوري الجنوبي (بالوكالة) هوانغ كيو اهن، من أن بلاده اتفقت مع الولايات المتحدة على نشر مبكر لمنظومة «ثاد الدفاعية».
وفي مؤتمر صحافي مشترك في سيول، أكد هوانغ الذي يشغل كذلك منصب رئيس وزراء كوريا الجنوبية، الاتفاق «على تعزيز جاهزية التحالف بين جمهورية كوريا الجنوبية والولايات المتحدة بما يتناسب مع التهديدات التي تمثلها كوريا الشمالية، وذلك عبر نشر سريع لمنظومة ثاد».
من جهته، حضّ مايك بنس المجتمع الدولي على المشاركة في مطالبة كوريا الشمالية بإنهاء برامجها النووية والصاروخية، وأعرب بعد زيارته المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة بين الكوريتين، عن أمله في الوصول «إلى هدف (نزع سلاح الشمالية النووي) بالطرق السلمية»، مستدركاً بأنّ «جميع الخيارات مطروحة على الطاولة». وأضاف بنس، وهو ابن عسكري أميركي كان قد شارك في «حرب الكوريتين»، أنه «في خلال الأسبوعين الماضيين فقط، شهد العالم قوة وحزم رئيسنا الجديد من خلال تحركاته في سوريا وافغانستان»، مشيراً إلى أن «من الافضل لكوريا الشمالية أن لا تختبر حزمه أو عزم القوات المسلحة للولايات المتحدة في هذه المنطقة».
وفي السياق، أعلن نائب الرئيس الأميركي أنّ حقبة «الصبر الاستراتيجي» الذي اتبعته بلاده على مدى «عقدين من الزمن» في تعاطيها مع كوريا الشمالية قد انتهت، متهماً بيونغ يانغ «بالرد مع انفتاحنا عليها بخداع متعمد، ووعود لم يُوفَ بها واختبارات نووية وصاروخية». وأشار إلى أن الولايات المتحدة التي تنشر 28500 جندي في كوريا الجنوبية، «ستهزم أي هجوم، وسنرد بشكل ساحق وفعال على أي استخدام لأسلحة تقليدية أو نووية». وفي إشارة إلى منظومة «ثاد»، قال إنّ «من المشجع رؤية الصين تلتزم هذه الإجراءات (ضد بيونغ يانغ)، لكن الولايات المتحدة قلقة من انتقام الصين اقتصادياً من كوريا الجنوبية بسبب اتخاذها خطوات مناسبة للدفاع عن نفسها».
وترفض الصين بشدة نشر المنظومة الأميركية في كوريا الجنوبية، على اعتبار أنّ بإمكانها التجسس على أجهزتها الدفاعية. وفي أول رد فعل صيني على الإعلان الأميركي ــ الكوري الجنوبي، عبّر المتحدث باسم الخارجية الصينية لو كانغ، عن معارضة بلاده لنشر المنظومة، وذلك في إفادة صحافية مقتضبة، وحثّ كل الأطراف على العمل معاً في سبيل «إرساء السلام والاستقرار بالمنطقة».
وتأتي هذه التطورات بعد يومين من عرض بيونغ يانغ، للمرة الأولى، صواريخ باليستية (من طراز طراز بوكوك سونغ -2) تُطلق من غواصات، وتبع ذلك عرض عسكري ضخم في العاصمة لمناسبة الاحتفال بذكرى مرور 105 أعوام على ميلاد الأب المؤسس للجمهورية. وجرى العرض العسكري في وقت تتمركز فيه مجموعة قتالية أميركية تضم حاملة طائرات قبالة شبه الجزيرة الكورية، فيما قالت معلومات صحافية في «إندبندنت» البريطانية إنّ الصين وروسيا تتعاونان لمراقبة الانتشار الأميركي هناك. أيضاً، فإنّ زيارة نائب الرئيس الأميركي، وهي الأولى له لكوريا الجنوبية، وتأتي ضمن جولة آسيوية تشمل اليابان وإندونيسيا إضافة إلى أوستراليا، تأتي غداة ما قيل عن إخفاق تجربة صاروخية لكوريا الشمالية، وقد رأى البعض في الإعلام الغربي، على غرار «نيويورك تايمز»، أنّ سبب «الإخفاق» قد يكون «هجوماً إلكترونياً نفذته الولايات المتحدة».
وفي مؤشر على حدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية، سارعت موسكو عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف، إلى إعلان أنها تأمل من الولايات المتحدة ألا تتحرك بنحو «أحادي» لتسوية مشكلة برنامجي كوريا الشمالية البالستي والنووي. وقال لافروف في مؤتمر صحافي مشترك في موسكو مع نظيره السنغالي مانكور ندياي: «آمل ألا تكون هناك خطوات أحادية كالتي شهدناها أخيراً في سوريا». وتابع قائلاً: «لا نقبل بمغامرات بيونغ يانغ النووية والبالستية المخالفة لقرارات الأمم المتحدة، لكن ذلك لا يعني أنّ من الممكن انطلاقاً من هنا انتهاك القانون الدولي باستخدام القوة» ضدها. وتعقيباً على إعلان مايك بنس، قال لافروف، وفق ما نقلت «فرانس برس»: «إن كان يترتب تفسير هذا التصريح على أنه تهديد باستخدام القوة بنحو أحادي... فعندها سيكون هذا حتماً طريقاً خطيراً». وأعرب عن أمله في أن تلتزم واشنطن «الخط الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب مراراً في خلال الحملة الانتخابية».
وفي موسكو أيضاً، دعا المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، جميع الأطراف إلى «ضبط النفس» من أجل «تجنب أي عمل يمكن اعتباره استفزازاً»، داعياً إلى «مواصلة الجهود الدولية» لتسوية الأزمة.
ويبدو أنّ دينامية «الأزمة الكورية» تتسارع في وقت تبرز في خلاله مؤشرات على أنّ واشنطن «في طور التحضير لضربة عسكرية ضد بيونغ يانغ»، وفق صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية. إلا أنّ الصحيفة المعروفة بقربها من توجهات مؤسسات الحكم الصينية، رجّحت في افتتاحيتها، أنّ سيناريو كهذا قد لا يكون قريباً «أولاً، لأنه يدفع بيونغ يانغ إلى الانتقام عسكرياً من جارتها الجنوبية سيول، (إلى جانب أنه بالنظر إلى) التعقيدات في المنطقة، فإنّ إدارة ترامب ليست مستعدة تماماً (لحالات) الطوارئ».
وعقب تطورات الأيام الأخيرة، رأت الصحيفة أنّ «الكرة أصبحت الآن في ملعب ترامب... بعدما كانت ليومين في ملعب كيم جونغ أون». وفي ما يشبه الرسالة إلى سلطات بيونغ يانغ، وفي ما يبدو أنه يعكس حذر السلطات الصينية إزاء التطورات الإقليمية، قالت افتتاحية الصحيفة إنّه لا يجب على «بيونغ يانغ أن تعتقد أنها نجحت مجدداً في كسر ضغط المجتمع الدولي، إذ إنها إذا استمرت في سياستها، فإنّ عقوبات المجتمع الدولي ستكون أكثر صرامة، فيما ستفكر الولايات المتحدة جدياً بتوجيه ضربات عسكرية إليها؛ إذا انطلق الصراع، فإنّ بيونغ يانغ ستكون أكثر المعانين».
الحذر الصيني والروسي حيال التطورات، كانت تقابله في الصحف الأميركية دعوات لإدارة ترامب للعمل مع الصين في هذه الأزمة. وقد اعتبر تقرير لجاين بيرليز في «نيويورك تاميز» أنّ «لدى ترامب ثلاثة خيارات رئيسية: توجيهه ضربة عسكرية قد تؤدي إلى إشعال حرب كاملة؛ الضغط على الصين لفرض عقوبات أقسى بهدف إقناع كوريا الشمالية بتغيير مسارها، وهي مقاربة أثبتت فشلها في عهد اوباما؛ التوصل إلى اتفاق يتطلب تنازلات جدية، لكن دون ضمانات بأنّ بيونغ يانغ ستلتزم تعهداتها».


بيونغ يانغ: إذا تجرّأت
واشنطن واختارت العمل العسكري، فإننا مستعدون

في السياق نفسه، فإنّ افتتاحية الصحيفة الأميركية رأت أنّ مسألة «السلام والأمن في آسيا، كما العلاقات بين واشنطن وبكين، تعتمدان كثيراً على كيفية إدارة ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، بنحو ثنائي، التهديد الكوري»، داعية ترامب إلى أن يكون «حازماً، وغير متهور في أحاديثه، إضافة إلى زيادة العقوبات وإيجاد سبيل لدفع كوريا الشمالية نحو المفاوضات».
الدعوة إلى التواصل مع الصين في هذه الأزمة، وهي ما كرره المفاوض الأميركي السابق في هذا الملف، بيل ريتشاردسون، داعياً حتى إلى مفاوضات تضم أيضاً اليابان، يبدو أنّ الرئيس الأميركي أصبح يدرك أهميتها، إذ تساءل في تغريدة عبر «تويتر» أول من أمس: «لماذا أصف الصين بأنها تتلاعب بالعملة، وهي تعمل معنا في ما يتعلق بمشكلة كوريا الشمالية؟ سنرى ما يحدث».
التعامل مع الصين في هذا الملف، يبدو أنه أصبح يجد صداه ضمن الإدارة الأميركية أيضاً. فمستشار الأمن القومي الجنرال هربرت ماكماستر، وهو الذي يبدو رجلاً قوياً في البيت الأبيض راهناً، أعرب أول من أمس، عن اعتقاده أن «هناك إجماعاً عالمياً الآن، يشمل الصينيين والقيادة الصينية، على أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر»، مضيفاً في حوار في مقابلة مع قناة «ايه بي سي» الأميركية من أفغانستان حيث يجري زيارة هناك، أنّ «هناك إجماعاً فعلياً بين الرئيس وحلفائنا الأساسيين في المنطقة، خصوصاً اليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك القادة الصينيين، على القول إن هذه المشكلة بلغت نقطة حرجة... وبالتالي، حان الوقت لنتخذ جميع الخطوات الممكنة غير الخيار العسكري لحل هذه الأزمة بالطرق السلمية». برغم ذلك، صرّح ماكماستر بأنّ ترامب أصدر توجيهاته للمسؤولين في الجيش والاستخبارات والدبلوماسيين الأميركيين بأن يقدّموا له خيارات «بالتنسيق مع الحلفاء في المنطقة ومن بينهم الصين»، يمكن استخدامها «في حال رفض نظام كوريا الشمالية التخلي عن برنامجه النووي». وبينما وصف زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بأنه «يشكل تهديداً لجميع سكان المنطقة والعالم»، إلا أنّه أشار إلى أنّ ترامب «يستطيع اتخاذ قرارات صعبة بسهولة».
هذه الأجواء التي تشير إلى احتمال تقرّب واشنطن من بكين للتعاون في هذا الملف، عززه أيضاً الاتصال الذي جرى أول من أمس، بين وزير الخارجية الصيني يانغ جيه تشي، ونظيره الأميركي ريكس تيلرسون، فيما خرقه أمس، حديث قناة «بلومبرغ» التلفزيونية عن أنّ بيونغ يانغ لم ترد هذا الشهر على طلبات دبلوماسيين صينيين كبار، من بينهم وزير الخارجية، لعقد اجتماعات مع نظرائهم الكوريين الشماليين. لكن بجميع الأحوال، لا بد من الإشارة إلى أنّ «التقرب» الذي تشير إليه واشنطن، يبقى بدرجة أولى رهن رد مستوى الفعل الصيني على الإعلان الأميركي عن نشر منظومة «ثاد».
في مقابل كل ذلك، كررت بيونغ يانغ موقفها مساء أمس، عبر ممثلها في الأمم المتحدة كيم إين ريونغ، الذي قال في مؤتمر صحافي: «إذا تجرأت الولايات المتحدة واختارت العمل العسكري... فإن كوريا الشمالية مستعدة للرد على أي شكل من أشكال الحرب».
(الأخبار)




سفير سوريا: قصف «الشعيرات» رسالة لكم

رأى السفير السوري في كوريا الشمالية، تمام سليمان، أمس، أنّ العدوان الأميركي على قاعدة الشعيرات الجوية هو «رسالة إلى كوريا الشمالية». وندّد سليمان بـ«تاريخ من التدخلات» الأميركية.