باريس | فور إعلان نتائج الدورة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية، سارع أغلب المرشحين الذين أُقصوا من المعترك الرئاسي، باستثناء جان لوك ميلانشون، إلى مناشدة أنصارهم التصويت للمرشح الليبرالي، إيمانويل ماكرون، عملاً بقاعدة «التضامن الجمهوري»، الهادفة إلى قطع الطريق أمام اليمين المتطرف. لكن العديد من الخبراء والمتتبعين للشأن السياسي الفرنسي يرون أن المعركة بين ماكرون ولوبن، في الجولة الثانية، ليست محسومة سلفاً.


وبالرغم من أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن ماكرون يتقدّم حالياً بنسبة 62 في المئة، في مقابل 38 في المئة للوبن، فإنّ زعيم حركة «إلى الأمام» لا يحظى بإجماع سياسي مماثل لذلك الذي خُصّ به جاك شيراك، حين واجه لوبن الأب في الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة لعام 2002. آنذاك كان الحزبان، الاشتراكي و«الديغولي»، يُسيطران على ثلاثة أرباع الناخبين، بينما تراجع المخزون الانتخابي لهذين الحزبين الكبيرين إلى أقل من ربع الناخبين حالياً. وهذا الأمر يحدّ كثيراً من فاعلية نداءات المرشحين المنهزمين، الداعية إلى التصويت لماكرون، ذلك أنّ «الناخب المنضبط حزبياً» بات يمثّل أقلية ضئيلة جداً في الخريطة السياسية الجديدة التي أسفر عنها اقتراع الأحد الماضي.
هناك معطى آخر من المرجّح أن يزيد من حدة هذه الإشكالية، ويتمثل في التباين الفاقع بين شخصيتي شيراك وماكرون. عام 2002، كان شعار حملة شيراك «محاربة الشرخ المتزايد في الفوارق الاجتماعية بفرنسا»، ما سهّل على ناخبي أقصى اليسار الانضمام إلى صفوف «الجبهة الجمهورية» الداعية إلى التصويت له ضد لوبن الأب، وهو ما خوّله الفوز بأكثر من ثمانين في المئة من الأصوات. الآن، يختلف الوضع جذرياً بالنسبة إلى ماكرون، الذي يعدّه القطاع الأوسع من ناخبي اليسار «مرشح العولمة المتوحشة والأوساط المالية المهيمنة». وهو ما يفسّر عزوف ميلانشون وبقية مرشحي اليسار الراديكالي، عن الدعوة للتصويت له.


قد يشكّل «الناقمون» قنبلة موقوتة ستعصف بمساعي عرقلة مسار لوبن

تُضاف إلى كل هذه المعطيات المثيرة للقلق، ظاهرة «المكنسة الانتخابية» التي أطاحت، منذ بداية حملة هذه الرئاسيات، قبل عامين، كل رموز «الاستبلشمنت» والمدافعين عن «الوضع القائم»، من نيكولا ساركوزي وآلان جوبيه، إلى فرنسوا هولاند ومانويل فالس. هذا الاقتراع الاحتجاجي سيُلقي بظلاله على معركة الدورة الثانية بين ماكرون ولوبن. ولن تفوّت مرشحة اليمين المتطرف الفرصة للتذكير بأن ماكرون كان أحد أبرز أقطاب السياسات الاقتصادية في عهد هولاند، بغية إظهاره لدى الناخبين الناقمين على أنه «مرشح الوضع القائم» الذي يشكّل «وارث سياسات هولاند وإخفاقاته».
حيال هذا الوضع، من المرتقب أن تتزايد نسبة الممتنعين عن التصويت، الذين فاق عددهم في الجولة الأولى 10.5 ملايين. كذلك سيُسهم في بروز فئة أخرى، ممن لا يريدون الاكتفاء بمقاطعة التصويت، بل يعبّرون عن احتجاجهم من خلال «التصويت الأبيض». وقد بلغ عدد هؤلاء قرابة مليون صوت (660 ألف بطاقة انتخاب بيضاء، و285 ألف بطاقة ملغاة).
ويرتقب أن تشكل ظاهرة الانتخاب الاحتجاجي، سواء عبر «الامتناع» أو «الاقتراع الأبيض»، علامة فارقة في جولة الحسم بين ماكرون ولوبن. ووفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «Ipsos»، فإن هذه الظاهرة تشمل جميع التيارات السياسية، دون استثناء، إذ تشمل 29 في المئة ممن صوتوا لميلانشون في الجولة الأولى (نحو مليوني صوت)، و19 في المئة ممن صوتوا لفرنسوا فيون (1.5 مليون صوت)، و20 في المئة ممن صوتوا لنيكولا ديبون إينيون (قرابة 340 ألف صوت)، و17 في المئة ممن صوتوا لبنوا هامون (390 ألف صوت)، ما يمثل مخزوناً ضخماً، يفوق أربعة ملايين صوت.
إذا صدقت هذه التوقعات، فسترتفع نسبة الممتنعين من طريق المقاطعة أو الاقتراع الأبيض، إلى 15.5 مليون صوت (مقابل 11.5 مليون صوت في الجولة الأولى). وبالتالي، ستنخفض نسبة الأصوات الفعلية التي ستحسم بين ماكرون ولوبن، إلى أقل من 35.5 مليون صوت (مقابل 37 مليون صوت في الدورة الأولى)، من مجموع 47 مليون ناخب مسجل على القوائم الانتخابية.
هذه المعطيات كلها تُصعّب من مهمة قطع الطريق أمام اليمين المتطرف، بالرغم مما تحظى به المهمة من إجماع ظاهري. ارتفاع نسب المقاطعة والاقتراع الأبيض سيصبّ في مصلحة لوبن في جولة الحسم. كذلك إن قطاعات أخرى من «الناخبين الناقمين» لن تكتفي بالمقاطعة، بل ستنضم إلى من صوّتوا للوبن منذ الجولة الأولى (7.6 ملايين صوت). ووفقاً لاستطلاع «Ipsos» الآنف الذكر، يُرتقب أن يُصوّت للوبن في الجولة الثانية 33 في المئة ممن صوتوا لفيون في الدورة الأولى، أي قرابة 2.4 مليون صوت (غالبيتهم من الكاثوليك التقليديين). وفِي صفوف أنصار ميلانشون، سينتخب 9 في المئة لوبن. وترتفع هذه النسبة إلى 46 في المئة لدى أنصار نيكولا ديبون إينيون (نحو 780 ألف صوت). وحتى في صفوف ناخبي الحزب «الاشتراكي»، هناك 4 في المئة يعتزمون التصويت للوبن في الجولة الثانية، أي أكثر من 90 ألف صوت.
هذا المخزون من «الناخبين الناقمين»، الذي يقدَّر بـ 4.2 ملايين صوت، سيشكل قنبلة موقوتة من شأنها أن تعصف بـ«الجبهة الجمهورية» في مسعاها لقطع طريق الإليزيه أمام مرشحة اليمين المتطرف. لذا، بدأت الأنظار تتجه نحو المنظمات النقابية، لاستعادة هؤلاء «الناخبين الناقمين»، وإبعادهم عن اليمين المتطرف. وقد بدأت المساعي لتحويل المظاهرات النقابية التقليدية، التي تقام في مناسبة الأول من أيار (عيد العمال)، إلى تظاهرات ضد اليمين المتطرف. لكن هذا المسعى لا يزال يصطدم بخلافات شائكة بين النقابات الثلاث الرئيسيّة في البلاد، إذ ترفض نقابة «CGT» اليسارية التي كانت في طليعة الحركات الاحتجاجية ضد «قوانين ماكرون» الليبرالية عندما كان وزيراً للاقتصاد في عهد هولاند، السير في تظاهرة مشتركة، مع نقابة «CFDT» التي أيّدت تلك القوانين. ومن جهة أخرى، لا تزال نقابة «FO» متمسكة بالموقف الذي أعلنته منذ بداية الحملة، بعدم التدخل ضد أي طرف في هذا المعترك الانتخابي. لكن هذه الخلافات النقابية قد تتراجع إذا تضاءل الفارق فعلاً بين ماكرون ولوبن في خلال حملة ما بين جولتي الانتخابات، وأصبح خطر فوز اليمين المتطرف أكثر جدية وراهنية.