بين رسائل «الردع» و«الثأر»، يستعرض حلف شمال الأطلسي عضلاته على طريقة المراهقين، أمام روسيا، سواء في أستونيا، حيث هبطت طائرتان من طراز «أف 35» تابعتان لسلاح الجو الأميركي، أو في البحر الأسود، حيث أبحرت مدمرة تابعة للبحرية الملكية البريطانية.


استعراض العضلات هذا يأتي في وقت يزداد فيه التوتر في العلاقات الروسية ــ الغربية، على خلفية ملفات ساخنة عدة، من أوكرانيا وسوريا، وصولاً إلى المساعي المتجددة لتوسيع حلف شمال الأطلسي باتجاه دول شرق أوروبا.
انطلاقاً من ذلك، هبطت اثنتان من أحدث طائرات القوات الجوية الأميركية وأكثرها تطوراً في دولة أستونيا في منطقة البلطيق، أول من أمس، وذلك للمرة الأولى، في خطوة تهدف إلى «تعزيز التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن شركائها في حلف شمال الأطلسي» على الحدود مع روسيا. وكان حلف الأطلسي قد قرر خلال قمته في وارسو، في تموز الماضي، نشر أربع كتائب في دول البلطيق وبولندا لمواجهة «سياسة روسيا في المنطقة» التي كانت سابقاً تحت سيطرة موسكو.
وبحسب التصريحات الرسمية، فإن زيارة المقاتلتين «الشبح» من طراز «إف ــ 35»، اللتين انطلقتا من بريطانيا وبقيتا بضع ساعات في قاعدة اماري في أستونيا، هي جزء من عمليات أوسع لتدريب الطيارين الأميركيين في أوروبا، مع سعي حلف الأطلسي لردع موسكو عن أي هجوم مزعوم في البلطيق.
ويُذكر أن وسائل إعلام أستونية، من بينها موقع «إي أر أر»، سبق أن ذكرت أن المقاتلتين ستبقيان في أستونيا لبضعة أسابيع، لأغراض التدريب مع طائرات أخرى تابعة لسلاح الجو الأميركي و«قوات حليفة». وأشار الموقع إلى الاستخدامات المتعددة لطائرات «أف ــ 35»، والتي تتراوح بين الاستطلاع والقتال الجوي والقصف التكتيكي.
وقال وزير الدفاع الأستوني مارجوس تساكنا إن «هذه رسالة شديدة الوضوح»، خصوصاً أن المقاتلتين مصممتان لتفادي رصد الرادار، ما يعني بحسب وجهة نظره أن «الولايات المتحدة تأخذ عملية إظهار الوحدة على محمل من الجدية الشديدة».
ومن شأن قيام الحلف الأطلسي بنشر قوات وعتاد في أوروبا الشرقية أن يطمئن قادة دول البلطيق بشأن التزام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ«الدفاع عن أوروبا»، وتبديد المخاوف بشأن تصريحاته السابقة بشأن جدوى تمويل الولايات المتحدة لنشاطات «الأطلسي». وبحسب ما نقل موقع «إي أر أر» عن مصادر في سلاح الجو الأميركي، فإن الولايات المتحدة عازمة على إقامة قاعدة جوية دائمة في شرق أوروبا بحلول عام 2020.


«ديلي ميل»
البريطانية للرئيس الروسي: هل يعجبك ذلك يا فلاد؟


من جهة أخرى، أرسلت البحرية الملكية البريطانية مدمّرتها «أتش أم أس دارينغ» باتجاه البحر الأسود، في ما وصفته الصحف البريطانية بأنه «رسالة واضحة إلى الرئيس فلاديمير بوتين». صحيفة «برافدا» الروسية أشارت إلى أن هذه الخطوة تمثّل عملاً «صبيانياً» عبّر عنه عنوان بارز لصحيفة «ديلي ميل» البريطانية: «هل يعجبك ذلك فلاد؟»، في إشارة إلى فلاديمير بوتين.
ووفق صحيفة «صن» البريطانية، فإن المملكة المتحدة قررت على ما يبدو «الثأر» من موسكو، على خلفية عبور قطع بحرية روسية القناة الانكليزية.
ومن غير الواضح كيف سيكون الرد الروسي على هاتين الخطوتين، ولكن صحيفة «برافدا» نقلت عن خبير عسكري قوله إن «أي قطعة بحرية ستدخل البحر الأسود، ستكون تحت مرمى أسطول البحر الأسود ومنظومة باستيون (للدفاع البحري)»، مرجّحاً كذلك قيام طائرات تابعة لسلاح الجو الروسي بـ«زيارة» للسفن الحربية الأجنبية في المنطقة المحايدة في البحر الأسود.
الجدير بالذكر أنّ تقريراً صدر عن معهد استوكهولم لأبحاث السلام أمس، أشار إلى أن منطقتي وسط وشرق أوروبا تشهدان سباقاً للتسلح أمام روسيا. وسجلت دول أوروبا الوسطى ارتفاعاً في الإنفاق العسكري بنسبة 2.4 في المئة مقارنة بعام 2015، وهو ما يعني عودة حجم الإنفاق العسكري في تلك المنطقة إلى معدلاته العالية.
وبحسب التقرير الصادر عن معهد استوكهولم، فإن هذه الزيادة، بالرغم من أنها لا ترقى إلى معدلات سابقة ناهزت عشرة في المئة قبل سنوات، تبقى مرتفعة إذا ما قورنت بالتباطؤ الاقتصادي الذي تشهده أوروبا، ويمكن تفسير ذلك من خلال التوتر القائم مع روسيا، منذ الأزمة الأوكرانية.
وعلى هذا الأساس، سجلت لاتفيا ارتفاعاً في الإنفاق العسكري بواقع 44 في المئة في عام 2016 (الأعلى في أوروبا)، ثم ليتوانيا (35 في المئة). أما روسيا فبلغ حجم إنفاقها العسكري في عام 2016 حوالى 69.2 مليار دولار، بزيادة نسبتها 5.9 في المئة مقارنة بعام 2015.
وبحسب التقرير، فقد كان مفترضاً أن تقلص روسيا الإنفاق العسكري، وذلك لأسباب اقتصادية، ولكنها خالفت كل التوقعات، بحلول نهاية عام 2016، إذ دفعت بالصناعات العسكرية إلى مستوى عال، من خلال تخصيص 11.8 مليار دولار من الديون الحكومية للإنتاج الحربي. ولولا هذا القرار، لتراجع الإنفاق العسكري الروسي بمعدّل 12 في المئة.
(الأخبار)