أقرّت الحكومة اليونانية بأنها قدمت تنازلات عديدة في مقترحاتها الجديدة إلى بروكسل، بهدف التوصل إلى اتفاق حول أزمة الديون، قائلة إن «الاقتراحات ليست مطابقة لبرنامج الحزب (الحاكم، سيريزا)، ولكنها نتيجة مفاوضات شاقة ومؤلمة بهدف التوصل الى اتفاق مع الدائنين (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) لا يمس حقوق العمل، ويفتح آفاقاً للاقتصاد اليوناني».


وأثارت التنازلات التي قدمتها أثينا في مقترحاتها الجديدة لحل أزمة الديون ردود فعل غاضبة داخل البرلمان اليوناني يوم أمس. وحذّر نائب رئيس البرلمان، ألكسيس متروبولوس، من صعوبة موافقة البرلمان على المقترحات الجديدة التي قدمتها الحكومة. وقال متروبولوس، العضو في حزب سيريزا اليساري الحاكم، إنه في حال عدم إقرار البرلمان لمقترحات الحكومة الأخيرة، والتي تتضمن ضرائب أعلى وتغييرات في نظام الرعاية الاجتماعية وإلغاء نظام التقاعد المبكر، فقد يضطر زعيم سيريزا ورئيس الوزراء، ألكسيس تسيبراس، إلى إجراء انتخابات مبكرة أو تنظيم استفتاء شعبي حول الاتفاق المرتقب.

استبعد الأوروبيون
إعادة هيكلة الديون اليونانية
غير أن تسيبراس كان قد صرّح مساء الاثنين الماضي في بروكسل، في ختام قمة طارئة عقدها قادة دول منطقة اليورو حول أزمة الديون اليونانية، بأن «الكرة باتت الآن في ملعب السلطات الاوروبية» للتوصل الى اتفاق هذا الاسبوع ينقذ مالية أثينا المترنحة. «معيارنا الاساسي هو العدالة الاجتماعية»، قال تسيبراس، معتبراً أنه «للمرة الاولى لن يُلقى العبء على عاتق الموظفين والمتقاعدين. نحن نحمي المعاشات التقاعدية والرواتب، والاسر المتوسطة الدخل؛ وللمرة الاولى سيُلقى العبء على عاتق من لديهم القدرة على حمله، وذلك للخروج نهائياً من هذه الازمة التي نرزح تحتها منذ 5 سنوات». وأضاف تسيبراس أن حكومته «لا تريد اتفاقاً مجزّأً ومحدوداً زمنياً، بل تريد اتفاقاً كاملاً وقابلاً للحياة، مرفقاً بحزمة (إجراءات) نمو قوية، تجعل الاقتصاد اليوناني قابلاً للحياة».
وربما كانت أكبر تنازلات الحكومة اليونانية قبولها باستبعاد دائنيها مسألة إعادة هيكلة الديون، وهي المسألة التي كانت تعتبرها أثينا أساسية في أي اتفاق محتمل مع الدائنين، في حين ينقسم حولها الاوروبيون. وقالت المستشارة الالمانية، أنغيلا ميركل، رداً على سؤال حول إمكان إعادة هيكلة الديون اليونانية الهائلة، والتي تمثل حوالى 180% من إجمالي ناتجها المحلي، إن «هذه ليست المسألة الأكثر إلحاحاً»، وإن الموضوع «ليس موضع نقاش» حالياً. وردّد رئيس المفوضية الاوروبية، جان كلود يونكر، مضمون كلام ميركل نفسه، قائلاً إن «هذا ليس الوقت لمناقشة» مسألة إعادة هيكلة الديون اليونانية. وكذلك فعل الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، قائلاً إن «موضوع الدين هذا ليس مدار بحث» حالياً، وإن «تمديد المهل أو إعادة رسم ملامح الدين لا يمكن أن تأتي إلا في مرحلة لاحقة». وكان تسيبراس قد طالب مجدداً، عقب القمة الأوروبية، بأن تكون ديون بلاده «قابلة للسداد»، في حين قال مصدر يوناني إنه «لا يمكن تصور كيف يمكن للمؤسسات الدائنة ألا تتطرق الى هذه المسألة» في بحثها الاتفاق المرتقب خلال أيام.
ونشرت الحكومة اليونانية مساء الاثنين قائمة جديدة بالاصلاحات التي اقترحت على دائنيها إجراءها، والتي تتضمن إجراءات تتعلق بالموازنة توازي 2.42% من إجمالي الناتج المحلي في 2015، و4.18% في 2016، ويرتكز القسم الاكبر منها على فرض ضرائب جديدة. وأوضح رئيس الوزراء اليوناني، الكسيس تسيبراس، في رسالة الى يونكر، أن اليونان تستعد لإقرار إجراءات توازي 1.51% من إجمالي الناتج المحلي في 2015، و2.87% منه في 2016، فضلاً عن إجراءات «إدارية» توازي 0.91% من إجمالي الناتج المحلي في 2015، و1.31% منه في 2016، علماً بأن الحكومة اليونانية رضخت لمطلب الدائنين بأن تحقق فائضاً أولياً (أي دون احتساب خدمة الدين العام) نسبته 1% من موازنة 2015، و2% من موازنة 2016.
وبحسب المقترحات اليونانية الجديدة، ستتم زيادة مداخيل الخزينة عبر زيادة «ضريبة التضامن»، خصوصاً على ذوي المداخيل المرتفعة، أي على الذين يزيد مدخولهم السنوي على 50 ألف يورو، حيث سترفع الحكومة معدلات الضريبة هذه من 3 و4% الى 4 و6% على التوالي، مع استحداث سقف جديد لهذه الضريبة، قدره 8%. وتقترح الحكومة رفع الضريبة على الشركات المحدودة المسؤولية من 26% حالياً الى 29%، وأيضاً فرض ضريبة استثنائية قدرها 12% على الشركات التي يزيد حجم أعمالها على نصف مليون يورو، ورفع الضرائب على الممتلكات الفخمة، كالسيارات التي تزيد سعة محركها على 2.5 ليتر، والمنازل ذات أحواض السباحة، والطائرات واليخوت. وتتضمن الاقتراحات إجراءات لإلغاء الاحتكارات، وخفض النفقات على التسلح بمقدار 200 مليون يورو، إضافة إلى فرض إجراءات «لمكافحة الفساد».
ووافقت الحكومة في مقترحاتها الجديدة على تطبيق الخصخصة، مستثنية شركة الكهرباء العامة وحصة الحكومة في الشركة المشغلة للهاتف، وفارضة شروطاً للخصخصة، منها مشاركة القطاع العام في رأسمال الشركة المشترية، و«مشاركة المستثمرين في تنمية الاقتصاد المحلي»، وحماية حقوق العمال، وحماية البيئة. كذلك وافقت أثينا على إلغاء نظام التقاعد المبكر، على أن يبدأ العمل بالنظام الجديد اعتباراً من مطلع 2016. وقالت الحكومة اليونانية إن «سن التقاعد تبقى على حالها بالنسبة إلى من يغادرون عملهم بحلول 30 حزيران» المقبل، ما فسّره البعض بأن الحكومة تركت الباب مفتوحاً لرفع سن التقاعد (62 عاماً حالياً). وأبقت مقترحات أثينا الجديدة على مستوى الضريبة على القيمة المضافة نفسه، وذلك في ما خص الخدمات (13%) والبضائع (23%)، فيما قبلت تطبيقها بنسبة 6% على الادوية والمواد الغذائية. وخلال القمة الأوروبية الطارئة في بروكسل الاثنين الماضي، طالب دائنو اليونان أثينا بأن تزيد الضريبة على القيمة المضافة على الفنادق والمطاعم الى 23%، معتبرين الإجراء «عادلاً اجتماعياً»، وأنه يمس السياح الالمان والفرنسيين في الدرجة الاولى. ولكن الحكومة اليونانية لم تعط بعد موافقتها على هذا المطلب، بحسب مصدر أوروبي قريب من المباحثات.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)