مثلما كان متوقعاً، لم تأبه أنقرة للاحتجاجات ضد التعديلات الدستورية التي أُقرّت في الاستفتاء «التاريخي» قبل شهر، إذ إنها ماضية في تنفيذ التعديلات التي غيّرت النظام السياسي في البلاد، ما جعل من سلطات الدولة التي كانت يوماً ما منفصلة بعضها عن بعض، تحت عباءة حزب «العدالة والتنمية» الذي استعاد الرئيس رجب طيب أردوغان موقعه فيه، بحسب التعديلات الأخيرة أيضاً.


وفي تنفيذ لثاني التعديلات، انتخب البرلمان التركي أمس سبعة أعضاء في مجلس القضاة والمدّعين الذي أعيد تشكيله ليضم 13 عضواً، إذ جرى اختيار الأعضاء السبعة لهذا المجلس من بين مرشحين قدّمهم جميعاً حزب «العدالة والتنمية» وحزب «الحركة القومية» المتحالف معه، وسط مقاطعة التصويت من قبل أكثر حزبين معارضين.
وبعد هذا التعديل، أصبح البرلمان يختار سبعة أعضاء في المجلس، فيما يسمّي الرئيس أربعة، أما العضوان الآخران فهما وزير العدل ووكيل الوزارة. وكان أعضاء الهيئة القضائية سابقاً يختارون أغلب أعضاء مجلس القضاة الذي يراقب الهيئة القضائية ويشرف على تعيين القضاة وممثلي الادعاء، إضافة إلى ترقيتهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم.


جميع أعضاء «مجلس القضاة» من حزبَي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية»


ورأى النائب عن حزب «الشعوب الديموقراطي»، فيليز كيريستيجي، أن «التصويت زاد من تسييس القضاء وحوّله بالكامل إلى قضاء خاص بحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية»، مضيفاً أن حزبه قرر عدم المشاركة، لأن العملية «غير شرعية». ويتفق حزب «الشعب الجمهوري» مع «الشعوب الديموقراطي» على هذا الرأي، إذ أكد محامي أكبر حزب معارض في البلاد، ليفينت جوك، أن «عهد القضاء الحزبي قد بدأ. هذا الهيكل قد يكون كارثة كاملة لتركيا». واتهم جوك حزب «العدالة والتنمية» بالسعي إلى تشكيل هيئة قضائية منحازة له ومعتمدة عليه. في المقابل، دافع رئيس الوزراء بن علي يلدريم عن التصويت، قائلاً: «لا توجد مشكلة. هذا يتماشى مع جوهر الاستفتاء».
في الأثناء، تستمر الحملة على من يشتبه في أنهم من أنصار الداعية فتح الله غولن، الذي تعتبره أنقرة الرأس المدبّر لمحاولة الانقلاب الأخيرة. وبالفعل، طرد مجلس القضاة والمدّعين 4238 قاضياً وممثلاً للادعاء في إطار حملة تطهير استهدفت من تقول أنقرة إنهم «أنصار غولن».
وكان نائباً عن «الشعب الجمهوري» قد أشار، الشهر الماضي، إلى أن الغالبية العظمى من القضاة الجدد لهم صلات بـ«العدالة والتنمية»، لكن وزارة العدل رفضت هذه المزاعم وقالت إن عملية اختيار القضاة كانت متماشية تماماً مع اللوائح.
يأتي ذلك وسط تحذيرات أوروبية لأنقرة بشأن المسار الذي يسلكه النظام السياسي بعد التعديل الدستوري. وكانت لجنة البندقية، وهي لجنة تضم خبراء قانونيين من مجلس أوروبا وتتمتع تركيا بعضويتها، قد حذرت قبل الاستفتاء بشهر من أن التعديلات الدستورية المقترحة تمثل «انتكاسة خطيرة للديموقراطية»، وهو الانتقاد الذي رفضته أنقرة.
في غضون ذلك، كان العمل بأول تعديل دستوري قد بدأ، وهو التعديل الذي يسمح لرئيس الجمهورية بأن يكون عضواً في حزب سياسي، إذ إن أردوغان انضمّ من جديد إلى «العدالة والتنمية» بعدما غادره إثر انتخابه رئيساً عام 2014. ومن المتوقع أن يستعيد أردوغان زعامة الحزب في مؤتمر استثنائي يوم الأحد المقبل. أما بالنسبة إلى التعديلات الباقية، فستُنفذ بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في تشرين الثاني 2019.
من جهة ثانية، أعلنت السلطات التركية أمس أسماء أعضاء «لجنة التحقيق في إجراءات حالة الطوارئ»، والتي تعنى بتلقّي «الشكاوى من عشرات الآلاف الذين طالتهم حالة الطورائ المستمرة، خصوصاً في ما يتعلق بالإيقاف عن العمل»، وفق صحيفة «حرييت» التركية. اللجنة التي أعلن تشكيلها في 23 كانون الثاني الماضي تحت مرسوم طوارئ، جاءت كمحاولة للتخفيف من حدة الانتقادات التي تعرضت لها تركيا من قبل المؤسسات الأوروبية، خصوصاً أن القرارات التي تُتّخذ تحت حالة الطوارئ لا يسمح بالطعن فها أمام أيّ محكمة أخرى، ولا حتى المجلس الدستوري.
(«الأخبار»، رويترز)