تتّسم زيارة أي رئيس أميركي لإسرائيل، بميزتين: الأولى تنبع من أصل الحدث الذي يعيد تذكيرنا بالخصوصية التي تتمتع بها العلاقات بين الطرفين... والثانية، من الرسائل والمؤشرات التي تنطوي عليها، انطلاقاً من الظروف التي تجري في ظلّها.


يتعذّر علينا التعامل مع زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإسرائيل، كما لو أنها نسخة مشابهة لزيارة الرئيس الأميركي لأيّ بقعة أخرى من العالم. ومن نافلة القول إنّ وقع هذه الزيارة في تل أبيب، جمهوراً وقيادة، يختلف جذرياً عن زيارة أي رئيس آخر إليهم. فهي تعبير إضافي عن الاحتضان والدعم المتنوع الذي تقدمه واشنطن لهذا الكيان. وتذكرنا هذه الزيارة، مثل سابقاتها، بحقيقة أن كل ما يعانيه الشعب الفلسطيني، وشعوب المنطقة، من الاحتلال، منبعه الأساسي واشنطن. إن لم يكن بفعل أنّ اعتداءات تل أبيب هي ترجمة لاستراتيجية أميركية عامة تتناول المنطقة، فلكونها أيضاً نتيجة عوامل التمكين السياسي والعسكري والاقتصادي الذي توفره الولايات المتحدة لإسرائيل.


الولايات المتحدة لم تعد
هي نفسها التي كانت
عليه قبل عقود

ومن أهم تجليات المكانة الاستثنائية التي تتمتع بها إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية العامة، أنها تختلف مع الأخيرة في أكثر القضايا حساسية وجدلاً. كما لو أن الخلاف بين ندّين (والأمر ليس كذلك بالطبع). وتخوض سجالات مع البيت الأبيض في داخل الولايات المتحدة نفسها، مستندة إلى دعم لوبيات ومؤسسات في النظام السياسي، كما حصل خلال فترة الرئيس السابق باراك أوباما.
مع تولي ترامب منصب الرئاسة في الولايات المتحدة، ارتفعت الرهانات في تل أبيب، بأن تشكل فترة رئاسته فرصة استثنائية لمواجهة التهديدات التي تواجه الكيان الإسرائيلي، وتحديداً بعد فشل العديد من الرهانات العسكرية في الساحتين السورية والعراقية. وفي أعقاب الاتفاق النووي مع إيران، الذي انطوى على اعتراف دولي بتحول إيران إلى دولة نووية... والأشد خطورة بالنسبة إلى تل أبيب أنّ ذلك حصل من دون أن تضطر الجمهورية الإسلامية إلى تقديم تنازلات في كل ما يتعلق بخياراتها الاستراتيجية وسياساتها الإقليمية.
على خط موازٍ، ارتفعت أيضاً الأصوات اليمينية في تل أبيب، مرحّبة بالرئيس الجديد، استناداً إلى تقدير مفاده أنه يمكن في ظل رئاسته، لكون توجهاته هي الأقرب إلى اليمين الإسرائيلي، اختصار الزمن والانقضاض على ما بقي من أرض فلسطين، تجسيداً للطموح الصهيوني الذي تتدرج القيادات السياسية في تنفيذه بما يتناسب مع التطورات السياسية.
مع أن حدة المبالغة في الرهانات الإسرائيلية على أكثر من مسار، تراجعت عمّا كانت عليه سابقاً، إلا أنها بقيت ضمن السقف الذي يحظى برضا إسرائيلي، على تفاوت، خاصة أنه يحرص على التمايز عن سلفه الرئيس باراك أوباما... من دون أن يلغي ذلك وجود قدر من القلق أو الغموض إزاء خيارات المستقبل.
ومن المؤكد أنّ الضربات الأميركية في الساحة السورية شكّلت تجسيداً عملياً لهذا التمايز الذي ترك صداه في الوعي والحسابات الإسرائيلية، ومع أنّ ترامب لم يبادر إلى أي خطوات استثنائية في مواجهة إيران، لكن تل أبيب ما زالت تأمل وتراقب مآلات السياسة الأميركية في مواجهة السياسات الخارجية لإيران ودعمها لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين، وما يمكن أن يبادر إليه ترامب في مواجهة تطوير قدراتها الصاروخية التي تحتل أولوية متقدمة في تل أبيب.
هبوط ترامب في تل أبيب قادماً من السعودية، قد يتجاوز في مؤشراته البعد الزمني لحدثين متواليين، إلى كونه محطة تالية هي امتداد لمحطة سبقتها. الأولى قبض فيها الأميركي الثمن المسبق، عبر صفقات شكلت ترجمة للوعد الذي أطلقه قبل حملته الانتخابية وخلالها، بأنه سينتزع من السعوديين التعويض المالي المناسب لخدمة توفير الحماية لهم... والثانية، يعلن فيها مرة أخرى الدعم الأميركي اللامحدود على المستوى المالي والاقتصادي والعسكري والسياسي... واستكشاف موقع إسرائيل في النسخة الجديدة للخطة الأميركية في المنطقة، ومتطلباتها على الساحة الفلسطينية.
أيّاً كان ما ستؤول إليه قمم الرياض وتل أبيب، تبقى حقيقة لا يستطيع أحد تجاوزها أو تجاهلها، هي أن الولايات المتحدة التي تجمع بين أكبر قدرات عسكرية وأكبر قوة اقتصادية في العالم... لم تعد هي نفسها التي كانت عليه قبل عقود. والقوى المعادية للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة باتت أكثر قوة وخبرة مما كانت عليه في مراحل سابقة. ومع أن تبدل خيارات الرئاسة الأميركية معطى لا يستطيع أحد تجاهل مفاعيله، إلا أن هناك عناصر قوة لدى الطرف المضاد، وقيوداً موضوعية لا يمكن صنّاع القرار الدولي والإقليمي تجاهلها، وعادة ما تكون هذه الاعتبارات أكثر حضوراً لدى ما يُسمى «الدولة العميقة».
مع ذلك، أكدت صحيفة «هآرتس»، نقلاً عن مسؤول أميركي رفيع في البيت الأبيض، أنّ الرئيس ترامب سيطلب من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، اتخاذ خطوات بناءة للثقة من أجل خلق أجواء ملائمة لاستئناف المفاوضات السلمية بين الجانبين. وسيطلب ترامب من نتنياهو كبح البناء في المستوطنات، ومن عباس العمل ضد «التحريض» في السلطة الفلسطينية. ولفت المسؤول نفسه أيضاً إلى أنّ ترامب كان مباشراً جداً مع الرئيس عباس بشأن ما يجب عمله في موضوع «التحريض» والدفع لعائلات المقاومين... «وكان شديد الوضوح في هذه القضايا، وسيكون واضحاً بشأنها خلال الزيارة، أيضاً». على خط موازٍ، أكد مسؤولون كبار في البيت الابيض أيضاً، أنّ زيارة ترامب لا تهدف إلى تحريك المحادثات السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين أو تدشين مبادرة سياسية جديدة. بل ترى الإدارة أنه ما زال من المبكر جداً تحريك هذا المسار. «ولذلك فإننا لا نعتقد بعد أنه حان الوقت لترتيب لقاء بين القادة أو عقد لقاء ثلاثي. هذا مبكر جداً». وذكرت «هآرتس» أنّ الخطاب الأهم، بالنسبة إلى إسرائيل، هو الذي سيلقيه ترامب في متحف إسرائيل في القدس يوم غد (الثلاثاء)، وسيركّز فيه على التحالف الإسرائيلي الأميركي... وأن أحداً ينبغي أن لا يتوقع تقديم رؤية بخصوص السلام، فليس هذا هو سبب وصوله إلى هنا، وليس لدى هذه الإدارة أي توجه لإملاء شروط.