على مسافة أيام من بدء تنفيذ التعديلات الدستورية الأخيرة التي تغيّر النظام السياسي في تركيا وقوننت تضييق المجال العام، بدأت يوم أمس محاكمة أكثر من 220 شخصاً، على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز الماضي، التي لا تزال البلاد تعيش تحت وطأتها على مستويات مختلفة.


فبالتزامن مع بدء المحاكمة التي قد تؤول إلى أحكام بالإعدام على المُدانين، لا تزال حملة «التطهير» التي طاولت موظفي الدولة على الخلفية نفسها، تتفاعل في الشارع التركي، حيث اعتقلت أنقرة أول من أمس، أستاذة جامعية ومدرساً مضربين عن الطعام، ما أجج الغضب والاحتجاجات وردود فعل منظمات دولية، خصوصاً بعدما أعلنت وزارة الداخلية التركية يوم أمس، أنها اعتقلت 1284 مشتبهاً فيه بمداهمات نفذتها في الأسبوع الماضي، في «إطار مكافحة الإرهاب»، بينهم نحو ألف شخص قالت إنها تشتبه في علاقتهم بالداعية فتح الله غولن.


كان أردوغان
قد لوّح بإمكانية
اللجوء إلى الإعدام للتعامل مع هؤلاء

الأحداث القضائية والأمنية هذه، تأتي غداة عودة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى زعامة حزب «العدالة والتنمية»، في إجراء ينفّذ أحد التعديلات الدستورية، لكنه الأول من نوعه في تاريخ الجمهورية، ويكرّس اليد الحديدية للحزب الحاكم ورئيسه في المشهد العام.
ومن بين الأشخاص الذين اقتيدوا إلى المحاكمة يوم أمس 26 جنرالاً تركياً، تتهمهم السلطات التركية بقيادة المجموعة التي قامت بمحاولة الانقلاب المذكور.
وتجمع متظاهرون خارج المحكمة للمطالبة بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق المتهمين، رافعين لافتات كتب عليها «من أجل شهداء وجنود 15 تموز، نريد عقوبة الإعدام». وفي حركة رمزية، ألقى المتظاهرون حبال المشانق المعقودة على المتهمين الذين اقتيدوا مكبّلي اليدين إلى المحكمة وسط صفّين من عناصر الأمن الذين أمسكوا بهم أمام عدسات الكاميرات، في ما يشبه الاستعراض الذي يعكس أهمية الحدث بالنسبة إلى أنقرة.
وعلى الرغم من إلغاء تركيا عقوبة الإعدام من ضمن محاولاتها على مدى سنوات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن أردوغان كان قد أشار إلى أن العقوبة قد تطبق مرة ثانية «من أجل التعامل مع مدبري الانقلاب».
ومن ضمن الجنرالات المتهمين، يبرز قائد القوات الجوية السابق أكين أوزتورك، ومحمد دشلي، شقيق النائب عن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم شعبان دشلي. وتشمل المحاكمة كذلك مساعد أردوغان العسكري السابق، الكولونيل علي يازجي، والمقدم ليفنت تُركان الذي كان مساعد رئيس الأركان الجنرال خلوصي أكار.
إلى جانب هؤلاء، يتهم نحو 40 من الخاضعين للمحاكمة بالانتماء إلى «مجلس السلام في الديار»، وهو الاسم الذي يقال إن مدبري الانقلاب أطلقوه على أنفسهم ليلة المحاولة الفاشلة. وتتضمن الاتهامات الموجهة إلى هؤلاء «استخدام الإكراه والعنف في محاولة لإطاحة البرلمان والحكومة التركية، ما أدى إلى استشهاد 250 مواطناً ومحاولة قتل 2735 آخرين». وشهدت بداية الجلسات توتراً، حيث صرخ أقرباء ضحايا الانقلاب: «الشهداء لا يموتون، الوطن لا يمكن تقسيمه»، وهي عبارة يستخدمها عادة المواطنون والسياسيون تكريماً للذين قتلوا خلال محاولة الانقلاب.
وعلى الرغم من تسليط الضوء على هذه المحاكمة، إلا أنها واحدة من محاكمات عدة تشهدها مناطق عدة في تركيا، في ما وُصف بأنه أكبر إجراء قانوني في تاريخ البلاد الحديث. وكانت محكمة سنجان قد شهدت في شهر شباط الماضي افتتاح محاكمة 330 مشتبهاً فيه متهمين بالقتل أو محاولة القتل في ليلة الانقلاب الفاشل.
وفي سياق متصل، اعتقلت الشرطة التركية الأستاذة الجامعية نوريا جولمان والمدرس الابتدائي سميح أواكتشا، المضربين عن الطعام منذ أكثر من شهرين، احتجاجاً على فصلهما من العمل، في إطار الحملة التي أعقبت محاولة الانقلاب. وهذان المدرسان اللذان تدهورت صحتهما من جراء الإضراب، هما من بين أكثر من مئة ألف موظف حكومي أوقفتهم السلطات عن العمل أو فصلتهم، في الحملة التي أعقبت الانقلاب الفاشل.
وتجمع نحو 150 ألف شخص في أنقرة مع انشار نبأ اعتقال جولمان وأوزاكتشا، «دفاعاً عن حقوق العمال». وصدر عن منظمة العفو الدولية تقرير أكد أن فصل موظفي الدولة نفذ بطريقة تعسفية، وكان له تأثير كارثي على حياتهم. وأضاف التقرير الذي صدر أمس، أن «تقاعس السلطات عن تحديد معايير واضحة لعمليات الفصل أو تقديم أدلة على وقوع مخالفات تطعن في مزاعمها بأن جميع عمليات الفصل ضرورية لمكافحة الإرهاب».
في سياق منفصل، استدعت وزارة الخارجية التركية السفير الأميركي لدى أنقرة للاحتجاج على معاملة مسؤولين أمنيين أتراك في الولايات المتحدة خلال زيارة الرئيس رجب طيب إردوغان، الأسبوع الماضي، بعدما اندلع شجار بين محتجين وأفراد من الأمن التركي خارج مقر إقامة السفير التركي في واشنطن، ما دفع تركيا إلى إلقاء اللوم على متظاهرين قالت إنهم على صلة بحزب «العمال الكردستاني».
وكانت الشرطة التركية قد ذكرت أن 11 شخصاً أصيبوا، من بينهم ضابط من شرطة واشنطن، وأن شخصين اعتُقلا، أحدهما على الأقل من المتظاهرين. وقالت واشنطن الأسبوع الماضي إنها عبرت عن «قلقها البالغ» لتركيا إزاء الواقعة.
(الأخبار)