بدت التصريحات الألمانية الأخيرة ضدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكثر من مجرّد ردّ فعل عابر على موقف أميركي من قضايا أوروبية معيّنة، بل «نقطة تحوّل» في مسار العلاقات الأميركية ــ الأوروبية. هذا ما أوحت به الأجواء في برلين، بعدما تحدثت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، عن اعتزام أوروبا «تقرير مصيرها»، وعن نهاية زمن «الاعتماد على الحلفاء».


وتصريحات ميركل التي تلت قمة مجموعة السبع و«قمة الأطلسي»، تبعتها انتقادات أخرى لترامب من برلين يوم أمس، ما يوحي بأن تصريحات الأيام الماضية ستحدد فعلاً ملامح المرحلة المقبلة لعلاقة بروكسل بواشنطن، وربما علاقة الأخيرة بحلفاء «الأطلسي» ككل.
وأطلق وزير الخارجية الألماني سيغمار غابريال، أمس، سيلاً من الانتقادات ضد ترامب، مهاجماً سياساته «القصيرة النظر التي أضعفت الغرب» والتي «ألحقت أضراراً بالمصالح الأوروبية». ورأى غابريال أن «أي شخص يعمل على تسريع التغير المناخي من خلال إضعاف حماية البيئة، ويبيع المزيد من الأسلحة في مناطق النزاع ولا يرغب في حل النزاعات الدينية سياسياً، يعرّض السلام في أوروبا للخطر».
وكانت قمّة مجموعة السبع التي شهدتها إيطاليا السبت الماضي، المسرح الذي شهد ما يشبه إعلان «شقّ الصفّ» الأميركي الأوروبي. فالقمة تضمّنت نقاشاً حول قضية التغيّر المناخي والعمل باتفاقية باريس، وخلافاً مع ترامب حول هذه النقطة بالتحديد. فترامب رفض خلال الاجتماع التصديق على هذه الاتفاقية، وانتقد حلفاء الولايات المتحدة في حلف «شمال الأطلسي» بأسلوب بعيدٍ عن الدبلوماسية، وفقاً لمسؤولين ألمان شهدوا هذه النقاشات.
وأكدت ميركل من ميونيخ أول من أمس، أن أوروبا لا يمكنها بعد الآن الاعتماد بنحو كامل على حلفائها. ولم تذكر ميركل ترامب بالاسم، لكنها قالت إن الأيام التي كان يمكن أوروبا الاعتماد فيها كلياً على آخرين «ولّت بدرجة ما». وأضافت أن ذلك لا يعني عدم الحفاظ على «الصداقة» مع الولايات المتحدة ومع بريطانيا وحسن الجوار، وكلما تسنى ذلك مع دول أخرى حتى مع روسيا، مؤكدةً أنّ «علينا أن نعرف ما يجب أن نقاتل لأجله في مستقبلنا بأنفسنا... لمصيرنا كأوروبيين». وفي الوقت نفسه، ركّزت ميركل على العلاقات الألمانية الفرنسية، متمنيةً النجاح للرئيس إيمانويل ماكرون ومؤكدةً أن ألمانيا جاهزة للمساعدة أينما يمكنها.
وكانت القمة التي استغرقت يومين قد وضعت ترامب في مواجهة زعماء ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا واليابان حول قضايا عدة، بما سبّب إحباط دبلوماسيين أوروبيين من اضطرارهم إلى العودة إلى ملفات كانوا يأملون أنها حسمت بالفعل منذ فترة طويلة. وبرغم ذلك، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، إنه متفائل في الوقت الراهن أكثر من الفترة التي تلت الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني الماضي، بعدما عقد زعماء في الاتحاد الأوروبي محادثات مع ترامب في بروكسل.
وكانت قمة «الأطلسي» التي عُقدت الأسبوع الماضي، قد شهدت مناقشات لمطالب ترامب بزيادة الإنفاق العسكري من قبل الأعضاء في الحلف. وذكرت وسائل إعلام في وقت سابق، أن ترامب انتقد الألمان ونعتهم بـ«الوضاعة والرداءة» لأنهم يبيعون الولايات المتحدة كميات كبيرة جداً من السيارات والمركبات، وهدد بتقنين استيرادها، فأثارت تصريحاته حفيظة قادة الاتحاد الأوروبي، برغم أن بعضهم حاول تبرير كلمات ترامب وتأويلها، وهذا ما أثار قلق بلدان الاتحاد الأوروبي، ولا سيما ألمانيا، من أن يكون ترامب يلمّح إلى إعادة النظر في قواعد منظمة التجارة العالمية.
في هذا الوقت، قال المتحدث باسم ميركل شتيفن زايبرت، يوم أمس، إن المستشارة الألمانية على قناعة تامة بأهمية العلاقات عبر الأطلسي، وهي تشعر بأنّ من الصواب تسليط الضوء على الخلافات في العلاقات بين ألمانيا والولايات المتحدة بغية الحفاظ على هذه العلاقات. وعلّقت صحف ألمانية وأوروبية على تصريحات ميركل «الصادمة» بوضوحها، فقالت صحيفة «فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ» إن «الأوروبيين مدعوون إلى متابعة جهدهم بصفة عملية من أجل تحقيق توازن في المصالح. لكن لا يحق لهم أن يغمضوا أعينهم أمام ضرورة الدفاع بأنفسهم أكثر من ذي قبل عن أمنهم ورفاهيتهم في العالم المتشعب للقرن الواحد والعشرين. ولا يحق لهم التقليل من شأنهم في ذلك ولا المبالغة في تقويم الذات». أما صحيفة «ديتيجد» البلجيكية، فقد تحدثت عن «نقطة تحول» في العلاقات الأطلسية. أما صحيفة «واشنطن بوست»، فقد كتبت أن «كلمات ميركل تشكل تغييراً واضحاً لأسلوب الخطابة السياسي... تعليق ميركل على ما عايشته خلال الأيام الماضية ينطبق بوضوح على جولة ترامب الكارثية في أوروبا. تصريحها بأن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد شريكاً يُعتمد عليه، هو انعكاس مباشر لكلمات ترامب وأفعاله». ومن جهتها، أعلنت بريطانيا يوم أمس أنها ستكون «شريكاً قوياً» لألمانيا، في رد على تصريحات ميركل.
(الأخبار)