حتى ليل أول من أمس، لم يكن أحد يصدّق أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سينفّذ تهديده ويعلن انسحاب بلاده من اتفاق باريس للمناخ. ظنّت غالبية من واكب إدارته إلى الآن أنّ هذا الوعد الذي أطلقه خلال حملته الانتخابية سيخضع كغيره من الوعود للمناورة، وربما لن ينفذه. لكن وقع الأمر، وأعلنت واشنطن انسحابها من اتفاق باريس الذي ترى الدول الـ195 الموقعة عليه أنه من أهم الاتفاقات، على المستوى الديبلوماسي والبيئي، بعد مفاوضات دامت سنوات في سبيل التوصل إليه.

وفيما تبْقى تداعيات الانسحاب الأميركي على المستوى البيئي رهينة المستقبل، انصبت غالبية الانتقادات لهذا القرار على أثره المباشر، إن كان على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وذلك في مواجهة الحجج التي قدّمها ترامب، والتي تتمحور حول أن لاتفاق باريس آثاراً سلبية في مجالات أميركية مهمّة.

وقال ترامب، مستخدماً رسالة «أميركا أولاً»، التي ردّدها عندما فاز بالرئاسة العام الماضي، إن «اتفاقية باريس ستقوّض الاقتصاد الأميركي وستكلّف الولايات المتحدة وظائف وستضعف السيادة الوطنية الأميركية، وستضع البلاد في موقف سيئ دائماً مقارنة بباقي دول العالم».
وفيما قوبل القرار بإدانات من حلفاء لواشنطن وقادة أعمال حول العالم، سارع عدد من الدول الموقعة على الاتفاق إلى إظهار تضامنها في سبيل الحفاظ عليه، فكان أن تعهّدت الصين وأوروبا، أمس، توحيدَ جهودهما لإنقاذ كوكب الأرض الذي وصفته المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بأنه «الكوكب الأم»، مؤكدة مواصلة السير في هذا الطريق «حتى ننجح».


باشرت عشرات المدن والولايات الأميركية تنظيم «حركة مقاومة» للقرار

قرار ترامب هيمن على اجتماع كان محدداً سلفاً بين رئيس الوزراء الصيني، لي كه تشيانغ، وبين مسؤولين بارزين في الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وكان من المرتقب أن يختتم الاجتماع ببيان مشترك يتعهد التنفيذ الكامل لاتفاقية باريس ويلزم الصين والاتحاد الأوروبي خفضَ استخدام الوقود الأحفوري. لكن مصدراً أوروبياً أفاد بأن الصين والاتحاد الأوروبي لم يتوافقا على ذلك بسبب استمرار الخلافات بشأن قضايا تجارية.
كذلك، أوضح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، مارغاريتيس شيناس، أن «الاتحاد الأوروبي والصين متفقان على كل شيء باستثناء التجارة، لكن يجري العمل على حلّ الخلافات».
أيضاً، قال رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، في مؤتمر صحافي تأخر لساعات عدّة بسبب الخلاف التجاري، إنه «في ما يتصل بقضايا القدرات الكبيرة على صعيد الفولاذ والتجارة، نحن في صدد تقريب مواقفنا لكننا لم ننجح في ذلك حتى الآن». وأضاف يونكر: «لا تراجع عن التحوّل في مجال الطاقة، ولا تراجع عن اتفاقية باريس».
في غضون ذلك، أكد زعماء آخرون التزامهم الاتفاق، ومن بينهم زعماء في الهند، فيما صرّح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بأنه لن يحكم على ترامب بسبب قراره، رغم أنه يرى أن الولايات المتحدة كان عليها البقاء في الاتفاقية. ولكن بوتين حذّر من تأثير الاتفاق في الوظائف والفقر.
أما فرنسا، فأعلنت أنها ستعمل مع مدن وولايات داخل الولايات المتحدة اعترضت على قرار ترامب وأبرزها كاليفورنيا، وذلك لمواصلة الجهود الخاصة بمكافحة التغير المناخي. واستخدم الرئيس إيمانويل ماكرون شعار ترامب خلال حملته الانتخابية الذي يقول «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، قائلاً إن الوقت قد حان «لنجعل الكوكب عظيماً مجدداً»، وذلك في بيان نادر باللغة الإنكليزية.
وباشرت عشرات المدن والولايات الأميركية فور الانسحاب من الاتفاق الدولي للمناخ، تنظيم حركة مقاومة، واعدة بأن أميركا ستواصل التقدم على المستوى المحلي في اتجاه اقتصاد أخضر. وضاعف رؤساء البلديات والحكام، من نيويورك على الساحل الأطلسي إلى كاليفورنيا المطلة على المحيط الهادئ، التحالفات والدعوات من أجل التصدي من الداخل لقرار الانسحاب.
وكانت مجموعات محلية قد باشرت منذ بعض الوقت تمهيد الطريق للتحرك، كما حدّدت ثلاثون ولاية معايير ترغم شركات الكهرباء على تخصيص حصة أكبر للطاقات المتجددة خلال العقد المقبل. وتخطت المبادرات معاقل الديموقراطيين التقليدية لتمتد إلى ولايات جمهورية مثل أوهايو وتكساس وآيوا.
في موازاة الانتقادات المحلية والدولية، إن كان على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو البيئي، قوبل قرار ترامب بانتقادات إعلامية لاذعة. فصحيفة «نيويورك تايمز»، مثلاً، خصصت افتتاحيتها لهذه المسألة. وبعنوان «خروجنا المشين من اتفاق باريس»، رأت أن «أجيال المستقبل ستدرك التداعيات الكاملة لمقاربة الرئيس دونالد ترامب القصيرة المدى للتغيّر المناخي».
الصحيفة أشارت إلى أن «ما تبدى من القرار حتى الآن أن سياسات ترامب أفزعت حلفاء أميركا، وتحدّت رغبات جزء كبير من الصناعات الأميركية... وقضت على ما تبقى من ادعاء أميركا القيادة في المسائل التي لها أهمية عالمية». ولفتت «نيويورك تايمز» إلى أن الحجج التي تقف وراء قرار ترامب مبنية على «معلومات وأرقام كاذبة من مصادر ذات مصالح» في صناعات الفحم الأحفوري.
وفي مقالة أخرى، كتب بيل ماكيبن في الصحيفة نفسها، أن «المطرقة التي يملكها دونالد ترامب سيستخدمها لهدم كل ما بناه الآخرون، في الوقت الذي يترقّب فيه العالم ذلك، بخوف وحيرة». وقال ماكيبن إن قرار الانسحاب من اتفاق المناخ «غبي ومتهوّر»، مضيفاً أنه «القرار الأكثر غباءً الذي يصدر عن أمّتنا منذ البدء باجتياح العراق». لكنه أشار إلى أنه «ليس قراراً غبياً ومتهوّراً وفق الأسلوب المعتاد»، موضحاً أنه «يقضي على اثنتين من القوى المتحضّرة على كوكبنا: الديبلوماسية والعلم».
أما بريان ديز، فكان قد استبق القرار بمقالة في مجلة «فورين أفيرز»، رأى فيها أن «المفاوضين صمّموا الاتفاق على نحو يمكّنه من تخطي الصدمات السياسية». وقال ديز إن اتفاقية باريس قوية لدرجة أن «السياسات الأميركية لا يمكنها أن تغيّر التيارات» التي أدّت إلى عقدها. لكنه أوضح أن «تجنب واشنطن أي عمل في ما يتعلق بالتغيّر المناخي سيسبّب للولايات المتحدة مشكلات اقتصادية وديبلوماسية».
(الأخبار)