صعَد زعيم «حزب العمال» جيريمي كوربن، في بريطانيا، في الوقت الذي كانت قد بدأت تموت فيه الحركات اليسارية الجديدة في أوروبا، من «سيريزا» في اليونان، الذي أرهقته سياسات التقشف، وخاصة أن الأخيرة تعدت الموقف الأيديولوجي للاتحاد الأوروبي لتتحوّل إلى حرب ضد أي محاولة تغيير بنيوية في الاتحاد، مروراً بإسبانيا والبرتغال، وليس نهاية بخسارة «العمّال» في الانتخابات البريطانية العامة عام 2015 لمصلحة «المحافظين» بزعامة ديفيد كاميرون.


ورافق كل ذلك صعود جديد لما يُسمّى «اليمين المتطرف الشعبوي»، الذي تمكن من الوصول إلى الحكم في بولندا على سبيل المثال.
بطبيعة الحال، لم تكن السياسات التي طرحتها تلك الأحزاب، والتي يطرحها كوربن اليوم، «متطرفة»، بل مثلت دعوة إلى إعادة دولة الرفاه كما كانت عليه في تلك البلاد قبل الهجمة النيوليبرالية عليها في أواخر القرن الماضي، على أساس أن هذه الهجمة أدّت إلى ارتفاع البطالة، وخفض الإنفاق العام على الطبابة والتعليم والضمانات الاجتماعية، ورفع مستوى اللامساواة والفقر.
تصوّرت رئيسة الوزراء تيريزا ماي، يوم دعت للانتخابات، كما تصوّر كاميرون يوم دعا إلى استفتاء «بريكست»، أنها ستفوز بسهولة، وذلك لأن جيريمي كوربن «غير صالح للانتخاب»، ولأن الإحصاءات العامة الصادرة عن مراكز متخصصة تشير إلى أن الشعب يدعم «المحافظين» بغالبية ساحقة.
لكنّ تلك «الغالبية» باتت شيئاً من الماضي، وبات الحزبان الأساسيان في المنافسة، «المحافظون» و«العمّال»، متساويين تقريباً في إحصاءات لا تأخذ في غالبها بعين الاعتبار الناخبين الجدد، والأقليات التي لا تصوّت في العادة، وهي المجموعات نفسها التي ركّز عليها كوربن في حملته.
إذن، ماذا يطرح «العمّال» في المانيفستو؟ وما هو برنامج كوربن الذي سيحوّل بريطانيا إلى دولة لـ«الأغلبية لا الأقلية»؟
ليس البرنامج كما صوّره الإعلام على أنه «راديكالي» أو «منسوج خيالياً»، كما أنه ليس يسارياً متطرفاً أيضاً؛ كل ما يدعو إليه هو المحافظة على الخدمة الصحية الوطنية (NHS) كمؤسسة عامة ورفع مستوى الاستثمار العام فيها، وإزالة الأقساط الجامعية وإعادة المساعدات للطلاب (ستخصص لذلك 11.2 مليار جنيه من الميزانية، وستزيد التمويل للمدارس ليصل إلى 11.6 مليار جنيه)، إضافة إلى إزالة السقف الموضوع على المستوى الأقصى للاستثمارات الحكومية، والاستثمار أكثر في الرعاية الاجتماعية (2.1 مليار جنيه للرعاية الاجتماعية، و4 مليارات للأمن الاجتماعي).
يذكر «مانيفستو العمّال» جميع الأرقام المتعلقة بمصادر التمويل وأين سيتم استثتمارها. ودعم هذا البرنامج 123 اقتصادياً عالمياً منذ أيام، جميعهم وصفوه بأنه «متوازن وصالح للتطبيق». وكان أبرز الاقتصاديين الداعمين له وزير المال السابق في اليونان يانيس فاروفاكس، والاقتصادي الأميركي جوزيف ستيغلتز.
في التفاصيل، يشير برنامج «العمال» إلى نية لرفع الضريبة على الشركات من 19% إلى 21% عام 2018، لتصل إلى 26% عام 2020. ومن المتوقع، وفق البرنامج أن تعود هذه الضرائب بأرباح للحكومة تصل إلى 19.4 مليار جنيه إسترليني (نحو 24.5 مليار دولار أميركي ). كما سيرفع «العمال» نسبة ضريبة الدخل على أعلى 5% من دافعي الضرائب، حتى لا ترتفع الضرائب على أي شخص ينقص دخله عن 80 ألف جنيه سنوياً، فيما ستحصد الحكومة من ذلك حوالى 6.4 مليار جنيه.
أيضاً، ستحصد الحكومة 6.4 مليار جنيه عبر منع التهرّب الضريبي، وفرض ضرائب على الثروة المودوعة في مواقع «أوفشور»، و5.6 مليار جنيه من رسوم الطوابع لتغطي الأصول المالية والسندات وغيرها، بجانب 3.8 مليار جنيه من مقتطعات دعم الشركات، و3.7 مليار جنيه عبر خفض هبات الضرائب على أرباح رأس المال، وضرائب الميراث، والتسهيلات للمصارف.
البرنامج يذكر مصادر أخرى للتمويل ستحصد بالمجموع 48.6 مليار جنيه، وهو الرقم نفسه المحدد للاستثمار. إضافة إلى ذلك، ستفرض الحكومة ضريبة عرفت بـ«ضريبة روبن هود»، ما سيرفع أرباح الحكومة بمليار دولار عبر فرض ضريبة على جميع المعاملات المالية للمصارف والمؤسسات المالية.
والجدير بالذكر أن برنامج «العمال» لا يتضمن زيادات للموازنة العسكرية ولا وعوداً بمنع المهاجرين من دخول البلاد (وإن وعدت بتنظيمهم).
فإذا نجح فريق كوربن في الانتخابات ومواجهة المصاعب من عدة أطراف (داخل حزبه وخارجه)، وطبّق هذا البرنامج في المملكة المتحدة، فلا بد أنه سوف يبرهن للشعوب الغربية أن الواقع ليس كما تدّعيه حكوماتهم وإعلامهم (لا بديل للنيوليبرالية، وللتقشف، وللقبول برغبات الشركات والمصارف، وبإشعال الحروب في بلاد العالم الثالث بحجة الأمن الوطني، وللعنصرية والشوفينية باتجاه المهاجرين واللاجئين).
بعبارة أخرى: إن أي فوز لـ«العمال» قد يفتح مجدداً فسحة أمام اليسار الأوروبي للعودة بعدما كان قد تراجع في السنتين الأخيرتين على يد الوسطيّين واليمين المتطرف.