«... إذا كان بالإمكان إعادة المجتمع الأميركي إلى ما قبل الأخوين كينيدي، لفرح ترامب بذلك. لكن ما علاقة ذلك بنا (الإسرائيليين)؟ إن رؤساء اليسار في إسرائيل، الذين التقوا مع طواقم ترامب (الشهر الماضي)، قالوا إن الحديث يدور حول مبادرة جديّة!»، كتب عوزي برعام، في صحيفة «هآرتس». فهل يقود هذا المنطق الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية، ومعهم دول عربية والإقليم، إلى قبول «صفقة القرن»؟


صباح أمس، صرّح مستشار لرئيس السلطة محمود عباس، محمد مصطفى، بأن «الرئيس سيوافق على وضع مطلب تجميد البناء في المستوطنات جانباً من أجل استئناف المفاوضات مع إسرائيل». كلام مصطفى جاء خلال مقابلة أجريت معه في مقر المقاطعة برام الله، وسارعت صحيفة «معاريف» إلى نشره بعد وقت قصير على كشف زميلتها «هآرتس» تفاصيل «وثيقة الإطار» التي توصل إليها الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي في عهد وزير الخارجية الأميركي السابق، جون كيري. وهي التي تبدي الإدارة الحالية لبلاده اهتماماً بالغاً فيها كنقطة انطلاق لتحقيق «الصفقة».


يظن عباس أن تقديم نتنياهو لتنازلات في عهد ترامب سيكون «عمليّاً أكثر»

مصطفى شدّد على أن عباس «يعتقد بأن من الأفضل للجميع التركيز حالياً على منح الإدارة الأميركية الجديدة فرصة للنجاح»، وهذه المرة «لن نجعل المستوطنات موضوعاً مركزياً». كان ذلك قبل أن يخرج الأخير في وقت لاحق، فينفي عبر إحدى القنوات العربية ما قاله في الصباح.
عام 2014 وضعت الإدارة الأميركية السابقة «خطة السلام» عبر مسودتين. وتضيف «هآرتس» أن هاتان المسودتان عكستا موقف إدارة باراك أوباما بعد مشاورات جرت عبر قناة اتصال سرية بين مبعوث رئيس الحكومة الإسرائيلية، المحامي إسحاق مولخو، ومستشار رئيس السلطة الفلسطينية، حسين آغا. طلب نتنياهو أن تأخذ الإدارة الأميركية نتائج محادثات القناة السرية وتعيد تغليفها من جديد بقالب وثيقة أميركية تعرض على الطرفين.
تضمنت «خطة السلام» بين تل أبيب والسلطة القضايا الجوهرية، مثل القدس والحدود واللاجئين، التي قدمتهما المسودتان على أنهما أساس المفاوضات حول «الحل الدائم»، علماً بأن الصيغة الأولى لـ«وثيقة الإطار» كتبت قبل يومين من لقاء بين كيري وعباس في باريس. وكان هدف الأميركيين بلورة صيغة تكون مقبولة لنتنياهو، لعرضها بعد ذلك على عباس، حتى يمكن نقل المفاوضات إلى مرحلة المحادثات حول «الحل الدائم».
ونصّت الوثيقة على أن «حل الدولتين» يجب أن يكون على أساس الاعتراف بإسرائيل كـ«دولة قومية للشعب اليهودي»، إلى جانب دولة فلسطين كـ«دولة قومية للشعب الفلسطيني»، إذ اعتقدت إدارة أوباما أن ذلك سيمثل استجابة لمطلب نتنياهو الدائم (الحصول على اعتراف فلسطيني بـ«الطابع اليهودي (القومي) لإسرائيل»)، لكنها نصّت أيضاً مباشرة على أن «الاعتراف يظل قائماً شرط المحافظة على الحقوق الكاملة للأقليات الدينية والقومية».
بالنسبة إلى الحدود، تلفت الصحيفة إلى أن «وثيقة الإطار» (التي كتبت في منتصف شباط 2014) أشارت إلى أن «الحد الجديد والآمن والمعترف به دوليّاً لكل من إسرائيل وفلسطين سيكون عبر المفاوضات على قاعدة حدود الرابع من حزيران 1967». وتضيف أن تبادل مناطق متفق عليها «يتقرر موقعها ومساحتها خلال المفاوضات، حتى تكون مساحة فلسطين تتناسب مع مساحة الأراضي التي خضعت لإدارتي مصر والأردن قبل الرابع من حزيران 1967، مع تواصل جغرافي في الضفة الغربية». ولفتت أيضاً إلى أن «التعديلات الحدودية تتناسب مع التطورات على الأرض، كما تتناسب مع المطالب الأمنية لإسرائيل».
في هذا الإطار، ذكرت «هآرتس» أنه رغم تصريح المستشار السياسي لنتنياهو آنذاك، دوري غولد، القائل إن «نتنياهو وافق على قبول وثيقة الإطار كلها كأساس للمفاوضات»، يظهر في الوثيقة الداخلية المسرّبة أن «نتنياهو تحفّظ على نص التواصل الجغرافي، طالباً ألا تتطرق بوضوح ومباشرة إلى مسألة التواصل الجغرافي الفلسطيني في الضفة». كذلك فإن الأميركيين رفضوا ذلك «من منطلق أن هذا الادّعاء يفرّع مسألة الحدود من مضمونها، كما رفضوا تحفّظ نتنياهو على تبادل الأراضي بنسبة واحد مقابل واحد».
أمّا عن القدس، فقالت الوثيقة إنه «لا يتم تقسيم القدس في الاتفاق المستقبلي»، من دون أن تتطرق إلى الحديث عن «عاصمة فلسطينية في شرق القدس»، إذ أصّر الجانب الإسرائيلي بشدّة على هذا الموضوع، لكنها قالت أيضاً إن «حل قضية القدس يكون خلال المفاوضات، والشعبين الإسرائيلي الفلسطيني يسعيان للحصول على اعتراف دولي بأن القدس عاصمة لكليهما».
تكمل الصحيفة: «رفض عباس خلال لقائه كيري (في باريس) هذه الصيغة، وردّ بغضب أنه لا يوجد أيّ زعيم فلسطيني قد يوافق على ذلك»، كذلك فإن رئيس السلطة تحفّظ على ما تضمنته الوثيقة بشأن «انسحاب إسرائيل بشكل تام من أراضي الدولة الفلسطينية»، كون الوثيقة لا تحدد إطاراً زمنياً واضحاً، فالأميركيون رأوا أن هذا الموضوع «يحدد بالاتفاق بين الطرفين في المفاوضات».
وبخصوص اللاجئين، فإنهم «لا يعودون إلى داخل دولة إسرائيل، بل الدولة الفلسطينية ستكون الحل المركزي لقضيتهم (اللاجئين)»، لكن «تسمح إسرائيل، في حالات إنسانية، بدخول لاجئين فلسطينيين بموجب اعتباراتها وحدها».

مسوّدة ثانية من الوثيقة

أخيراً، لم ينجح لقاء كيري وعباس في باريس، الأمر الذي دفع واشنطن إلى صياغة «وثيقة الإطار» الجديدة (النسخة الثانية في منتصف آذار 2014). وعلى عكس الأولى، لم تكتب الثانية بالتنسيق مع إسرائيل، إذ يتضح أن ما تضمنته «لم يكن مقبولاً لدى رئيس الوزراء»، وقد كُتبت قبيل لقاء عباس وأوباما في البيت الأبيض بتاريخ 16 آذار 2014. وفي الثانية أيضاً، لم توجد اختلافات كثيرة حول الاعتراف بـ«يهودية إسرائيل»، لكنها بدأت بعبارة «هدف المفاوضات هو إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967». وشطبت من الوثيقة الثانية عبارة «التطورات على الأرض»، لكنها تضمنت عبارة «الاعتراف بالكتل الاستيطانية»، في البنود التي تتعلق بمسألة الحدود.

الفارق بين
مسوّدتين من
«وثيقة الإطار» ظهر في مسألة القدس

الفارق بين الوثيقتين ظهر في مسألة القدس، إذ تضمنت الثانية عبارة تقول: «بهدف الاستجابة لمطلب الطرفين، الحل الدائم يجب أن يقود إلى وضع يكون فيه لإسرائيل وأيضاً لفلسطين عاصمة معترف بها دولياً في القدس، إذ تكون القدس الشرقية العاصمة الفلسطينية، أما البلدة العتيقة والأماكن المقدسة والأحياء اليهودية فستجري معالجتها في مفاوضات الحل الدائم».
رغم ذلك، لم يحصل أوباما في لقائه الأخير مع عباس على ردّ إيجابي. لأن الأخير «خشي أن يقبل بالاقتراح، وبعد ذلك يكتشف رفض نتنياهو. لأنه (أبو مازن) اعتقد أن أوباما غير قادر على دفع نتنياهو إلى تقديم تنازلات». وفي هذا الإطار، تلفت «هآرتس»، نقلاً عن مسؤول أميركي، إلى أن «عباس ربما يعتقد أن تقديم التنازلات من نتنياهو في عهد رئيس كترامب هو أمر عملي أكثر مقارنة مع أوباما».

جون إيلان يدير «الدولة الفلسطينية»!

بناءً على طلب أوباما، وضع الجنرال جون إيلان خطة تتضمن الترتيبات الأمنية كافة بعد إقامة الدولة الفلسطينية، وذلك بمشاركة عشرات الضباط والخبراء الأميركيين والإسرائيليين. الخطة ظلت طيّ الكتمان، حتى تسلم ترامب رئاسة الولايات المتحدة. ووفق المحلل العكسري في «هآرتس»، عاموس هرئيل، التقى مبعوث ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط، جيمس غرينبلات، عدداً من المسؤولين والشخصيات الذين انشغلوا سابقاً في قضية الترتيبات الأمنية في الضفة، وكان ذلك في الأسابيع الأولى لتسلم ترامب سدة الرئاسة. ويضيف أنه «في أحد هذه اللقاءات تلقّى غرينبلات عرضاً شاملاً لخطة إيلان».
ويشرح هرئيل أن المسؤول الذي التقاه غرينبلات طلب منه قراءة تفاصيل الخطة بدقة «لأنه في حال استئناف المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ثم وصولها إلى مرحلة جديّة، فإن الإدارة الأميركية الجديدة بحاجة إلى خطة تلبّي احتياجات الأمن الإسرائيلي». و«الخطة السرية» كانت قد عرضت آخر مرة عام 2014 على طاولة المباحثات. ووفق «هآرتس»، عُرضت أيضاً على كل من نتنياهو ووزير الأمن السابق موشيه يعالون. وقد حظيت بدعم المستوى العسكري، قبل أن يرفضها الأخير، إضافة إلى الانتقادات التي وُجّهت إليها من المستوى السياسي.
رغم ذلك، أظهرت الإدارة الأميركية الجديدة اهتماماً بالغاً بها خلال الأسابيع الاخيرة، وهو ما يفسّر، كما يرى هرئيل، خطوة مستشار الأمن القومي الأميركي، هربرت مكماستر، بتعيين كريس باومان مسؤولاً عن الملف الإسرائيلي ــ الفلسطيني في مجلس الأمن القومي. وكان الأخير أحد المشاركين في وضع «خطة إيلان» خلال سنتي 2013 و2014، التي يمكن وصفها بأنها «ثمرة عمل مشترك بين البنتاغون والجيش الإسرائيلي»، طبقاً لما عبّر عنه للصحيفة ضباط كبار شاركوا في الاتصالات مع واشنطن.
في هذا الإطار، لفت الرئيس السابق لدائرة التخطيط في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، نمرود شافير، إلى أن الخطة «توفر الحفاظ على مستوى أمني مقبول من ناحية إسرائيل بعد انسحاب واسع من الضفة. لكن المستوى السياسي كانت له نظرة مختلفة. ورغم ذلك، رأى نتنياهو ويعالون أن الرد الأميركي على عشرات النقاط التي طرحها الإسرائيليون بشأن الخطة «لم يكن كافياً».
وتضمنت تلك الخطة إقامة مطار مدني فلسطيني في الضفة تنطلق منه رحلات مباشرة إلى الخارج من دون أن تكون «عن طريق إسرائيل»، وقد عرض الطاقم حلولاً تكنولوجية لمعالجة المخاطر الأمنية المحتملة. مع ذلك، رفضها الجانب الإسرائيلي، علماً بأن الأميركيين شددوا على أن «الدولة الفلسطينية ستكون منزوعة السلاح في إطار أيّ اتفاق مستقبلي».