لندن | قدم المؤرخ البريطاني الراحل إدوارد جيبون، في كتابه الشهير «انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة وسقوطها»، أنموذجاً صار بمنزلة أصل يقاس به سقوط الأمم وتردّيها. ورغم أن جيبون وبقية المؤرخين جعلوا سقوط روما نتاج عمليّة تاريخيّة معقدة استمرت نحو أربعة قرون، تداخل فيها فساد المؤسسات السياسية والاقتصاديّة والعسكريّة مع الانقسامات الداخليّة وتعديات القبائل على الحدود، فإنهم رأوا أن حادثة بعينها كانت لحظة تاريخيّة فاصلة في هذا السقوط. كانت تلك يوم عُزل الإمبراطور الدمية رومولوس أغسطس يوم 4 سبتمبر 476.

ويبدو أن الانتخابات العامة المبكرة، التي أجريت في المملكة المتحدة في الثامن من الشهر الجاري، ستكون نقطة رمزيّة في أيدي كتّاب تاريخ المستقبل لتمثيل ذروة سقوط «الإمبراطوريّة البريطانيّة» التي ما فتئت هيمنتها المحكمة على العالم خلال قرن كامل تتراجع، إلى أن وصلت اليوم إلى أضعف نقطة في تاريخها المعاصر على الإطلاق.

فبإصرار «الإمبراطورة» تيرزا ماي على معاندة التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والاستراتيجيّة والسياسة معاً، والاستمرار في الحكم ــ حتى لو بالتحالف ــ مع أسوأ حزب في اليمين البريطاني (حزب «الاتحاديين الديموقراطيين» في إيرلندا الشماليّة الذي لديه 10 مقاعد من 650 في البرلمان)، وبأكثريّة هشّة لا تزيد ــ إن قام التحالف فعلاً ــ على مقعدين، ستكون بالتأكيد وحيدة من دون إجماع البريطانيين، حتى من أولئك الذين هم في حزبها الحاكم، وذلك في مواجهة استحقاق مفاوضات «البريكست» التي تبدو فيها بريطانيا شبه فاقدة أوراق القوّة في مواجهة 27 دولة متماسكة بقيادة المارد الاقتصادي الألماني.
هذه الدول عموماً لا تكنّ ودّاً كبيراً للندن، ولا سيما الجار الإسباني القريب الذي ينتظر بصبر فارغ تفكك بقايا الإمبراطوريّة العريقة، ليتلقف جبل طارق من تركتها، فيما يتعرض حلفاؤها البديلون الآخرون لمشكلات داخليّة وخارجيّة تمنعهم من الإسراع إلى نجدة المملكة الجريحة، كما فعلت الكويت مثلاً لإنقاذ الاقتصاد الاسباني المنهار في السبعينيات بناءً على توجيهات أميركية. فقطر، وهي أحد أكبر المستثمرين في الاقتصاد البريطاني، تواجه حصاراً خليجيّاً خانقاً، والعلاقات مع السعوديّة وبقيّة الخليج تسبّب لماي صداعاً داخليّاً لارتباط تلك الدول بالإرهاب الذي تعاني منه لندن. أما روسيا، فتعوّدت العيش تحت العقوبات البريطانيّة ولن تكون متحمّسة كثيراً لإنقاذ أحد في لندن، فيما يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غير هذا الوارد تماماً، مشغولاً بمصاعبه الداخليّة وبتحصيل جزية الهيمنة من الدول الخاضعة، وذلك لدعم اقتصاد بلاده المتعب.


ليس شخص كوربن المهم بل برنامج حزبه لاستعادة كرامة الطبقة العاملة


ماي دعت إلى الانتخابات وحزبها يمتلك غالبية مريحة، بحجة توسيع شرعيّة موقفها في إدارة البريكست، لكنها كانت مثل مقامرة خاسرة، ففقدت التعميد العمومي للاستمرار في سياستها المتصلبة في مفاوضات «البريكست» التي تبدأ في التاسع عشر من الشهر الجاري، وباتت الآن كمن يقود سفينة تغرق، الليلة أو غداً أو حتى قبل نهاية العام في أحسن السيناريوات. أما الأسوأ، فهو أن «مانيفستو المحافظين» أصرّ على التحكم في تدفق المسافرين من الاتحاد الأوروبي في حال البقاء ضمن السوق المشتركة، لكن بروكسل واضحة تماماً في ربطها الأمرين معاً، ما يعني الوصول إلى حائط مسدود في الحل الوحيد الذي يمكن أن يحفظ ماء وجه بريطانيا، أقله اقتصاديّاً. يضاف إلى ذلك أن حليف رئيسة الوزراء المحتمل لتشكيل الحكومة ــ حزب «الاتحاديين» ــ يعارض في المبدأ «البريكست»، ولا يريد إغلاق الحدود مع إيرلندا الأم، وهو ما يهدّد أيّ نتيجة قد تصل إليها ماي في المفاوضات، بسبب تمرّد هؤلاء الحلفاء، لدى تصويت البرلمان عليه.
حزب ماي ــ «المحافظين» ــ يعيش أجواءً تشبه الصدمة. فـ28 من قيادات الحزب الثقيلة، بمن فيهم مجموعة من الوزراء، خسروا مناصبهم البرلمانيّة لمصلحة حزب «العمّال» بالذات، وبدأ عدد من الطامحين إلى العرش تحركات مكثفة لتنفيذ انقلاب القصر «شبه المعلن»: فيليب هاموند شبه المختفي وراء الكواليس منذ بدء الحملات الانتخابيّة في نيسان الماضي، وكذلك وزير الخارجيّة بوريس جونسون، وغيرهما من المتعطشين إلى السلطة دائماً. كذلك فإن قلادة المستشارين المقرّبين لماي تفكّكت باستقالة أهم حلقاتها: نيك تيموثي وفيونا هيل.
ماي، التي إن صمدت أسبوعاً في حكومة تصريف الأعمال، فإنها لن تنام ليلة واحدة قبل 19 حزيران عند عقد أولى جلسات البرلمان وخطاب الملكة ثم التصويت بالثقة على الحكومة، وهي اللحظة التي يستعد لها الجميع، سواء المعارضة بقيادة حزب «العمّال» المزهوّ بعودته المزلزلة إلى السياسة البريطانيّة، أم المتآمرون على ماي في حزبها نفسها، إضافة إلى كلّ من يريد أن يسجل موقفاً بالتنصّل ممن سمتها الصحافة «ملكة الإنكار».
على المقلب الآخر، يبدو «العمال»، ولا سيّما يساره، وزعيمه جيريمي كوربن، منتشين بالنتيجة الاستثنائية التي حصل عليها الحزب في الانتخابات العامة، رغم أنه لم يحصل على المركز الأول في عدد المقاعد في البرلمان. فالحزب دخل هذه الانتخابات وكثيرون ينتظرون مراسم دفنه في غياهب التاريخ، فضلاً عن الحرب القاسيّة التي يشنّها يمين الحزب ــ تيار توني بلير ــ على زعيم الحزب بمناسبة أو من غير مناسبة. لكن الجميع مجمعون الآن على أن الحملة الانتخابيّة للحزب هذه المرة كانت الأنجح في تاريخه على الإطلاق، وأن شخص كوربن بالذات وفريقه من الماركسيين المحنكين كانوا وراء عودة «العمال» من الموت ليحيا، بل ليكون بانتظار سقوط «السيدة ماي» المعلقة بحبل رفيع الآن، ثم ليقفز إلى المكان الذي اختارته غالبية الشعب له (52% من مجموع الأصوات على مستوى البلاد صوّتت لأحزاب جبهة تقدميّة يمكن أن يقودها «العمال» مقابل 48% لـ«المحافظين» وحلفائهم)، أي رئيساً لوزراء بريطانيا في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها المعاصر.
ليس شخص كوربن المهم هنا بالطبع، بل ما يمثله الرجل من برنامج عمل يمثّل الحد الأدنى اللازم لاستعادة كرامة الطبقة العاملة البريطانيّة التي أنهكها عقد من سياسات التقشف العقيمة تحت حكم «المحافظين»، وأيضاً فرصة، ربما أخيرة، لإيقاف مفاعيل «البريكست» عن أن تتحول إلى دمار شامل لاقتصاد المملكة، وكذلك لإخراج بريطانيا من وهدة دعم الإرهاب في سوريا والعراق وليبيا، الذي فتح على البلاد انعكاسات لا يحتاج إليها مجتمع منقسم شديد العنصريّة في تكوينه التاريخي.
الأهم من ذلك كله أن كوربن قد ينجح حيث فشل المحافظون دائماً: استعادة اللحمة بين البريطانيين جميعاً كأمة واحدة، بعدما حققت سياسات «المحافظين»، ضمن عوامل أخرى، انقسامات أفقيّة حادة بين فئات الشعب حولته إلى ما يشبه قبائل بريطانيّة متعادية تعارض كل منها الأخرى على أساس عصبي لا علاقة له بمصالح البلاد الآنيّة ولا مستقبلها.
أسبوع لندن المقبل عاصف بالتشويق والمباريات السياسّية والمؤامرات الليلية، لكن الأطراف جميعهم على الإطلاق مجمعون على أن تيريزا ماي تعيش أيّامها الأخيرة في لعبة السياسة التي لا ترحم، وأن أقرب أصدقائها، بمن فيهم بروتوس نفسه كما مسرحيّة شسكبير، يشحذون خناجرهم لطيّ هذه الصفحة الخرقاء، والبدء من مكان ما جديد.